اتسعت الجمعة الدعوات الأوروبية إلى معاقبة إسبانيا داخل منطقة شنغن، بعدما انضمت فنلندا إلى إيطاليا في المطالبة بتعليق حرية التنقل معها، على خلفية موجة العبور الجماعي نحو مدينة سبتة المحتلة، في حملة تقودها شخصيات وأحزاب محسوبة على اليمين الأوروبي.
وقالت وزيرة الداخلية الفنلندية اليمينية ماري رانتان إن بلادها تؤيد المقترح الذي طرحته رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، والقاضي باتخاذ إجراءات ضد إسبانيا بسبب ما تعتبره روما وهلسنكي عجزا عن حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
وكتبت رانتان على منصة “إكس”: “لقد فشلت إسبانيا تماما في حماية الحدود (…) لا يمكن أن يستمر هذا الوضع”، معتبرة أن الدول التي لا تفي بالتزاماتها في مراقبة الحدود الخارجية لا ينبغي أن تظل ضمن فضاء شنغن.
ودعت الوزيرة الفنلندية الحكومات الأوروبية إلى اتباع المقترح الإيطالي، بعدما أعلنت ميلوني استعداد بلادها لاتخاذ “إجراءات استثنائية” لحماية حدودها وأمن مواطنيها، تشمل تعليق العمل بقواعد شنغن مع إسبانيا.
ويمنح انضمام فنلندا إلى الموقف الإيطالي بعدا أوروبيا أوسع لدعوات كانت تبدو في البداية جزءا من المواجهة السياسية بين حكومة ميلوني اليمينية وحكومة رئيس الوزراء الإسباني الاشتراكي بيدرو سانشيز.
كما يبرز هذا التطور محاولة اليمين الأوروبي نقل النقاش من كيفية تدبير موجة العبور في سبتة إلى مساءلة استمرار إسبانيا داخل منطقة حرية التنقل، باعتبار أن أي مهاجر يصل إلى الأراضي الخاضعة للإدارة الإسبانية يصبح قادرا، بعد تجاوز الإجراءات القانونية والأمنية، على الانتقال نحو دول أوروبية أخرى.
وكانت إيطاليا أول من رفع مستوى الضغط على مدريد، إذ ربطت ميلوني بين تدفق المهاجرين وسياسة الحكومة الإسبانية في تسوية أوضاع مئات الآلاف من المقيمين بصورة غير قانونية.
وقال وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني إن صور سبتة تظهر، بحسبه، أن قرار مدريد تسوية أوضاع أكثر من 500 ألف مهاجر “يشجع الاتجار بالبشر”، في موقف ردت عليه إسبانيا باعتباره توظيفا حزبيا للأزمة.
ووصف وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس التصريحات الإيطالية بأنها “غير مناسبة”، وقال إن مدريد تنتظر من شركائها الأوروبيين التضامن بدل “الديماغوجية الحزبية”، قبل أن تعلن استدعاء السفير الإيطالي للاحتجاج.
وامتدت الضغوط إلى فرنسا، حيث أعلنت السلطات تشديد المراقبة على الحدود مع إسبانيا، بينما طالبت مارين لوبن، زعيمة التجمع الوطني اليميني المتطرف، بتعزيز فوري للرقابة الحدودية.
وقالت لوبن إن تدفق المهاجرين إلى إسبانيا جرى تشجيعه من الحكومة الإسبانية، معلنة أنها ستعمل، في حال وصولها إلى الرئاسة، على قصر حرية التنقل داخل شنغن على المواطنين الأوروبيين.
وتشير هوية أصحاب هذه المواقف إلى أن أزمة سبتة أصبحت ورقة جديدة في خطاب اليمين الأوروبي حول الهجرة، إلى جانب ملفات اللجوء وترحيل المهاجرين ومراقبة الحدود وسياسات تسوية أوضاع المقيمين غير النظاميين.
وتقود ميلوني حزبا يمينيا جعل تشديد سياسة الهجرة أحد محاور برنامجه، بينما تنتمي رانتان إلى حزب فنلندي يميني يتبنى بدوره مواقف متشددة بشأن الهجرة. أما لوبن، فتقود أكبر قوى اليمين المتطرف في فرنسا، وتسعى منذ سنوات إلى تقليص قواعد حرية التنقل داخل الاتحاد.
لكن استبعاد إسبانيا من منطقة شنغن لا يخضع لقرار منفرد من إيطاليا أو فنلندا، كما لا توجد آلية سريعة تسمح لدولة عضو بطرد دولة أخرى من الفضاء الأوروبي المفتوح.
وتسمح قواعد شنغن للدول بإعادة فرض المراقبة مؤقتا على حدودها الداخلية عند وجود تهديد خطير للأمن أو النظام العام، وهو الخيار الذي بدأت فرنسا التحرك في اتجاهه، من دون أن يعني ذلك إخراج إسبانيا رسميا من المنطقة.
وتضم منطقة شنغن 29 دولة أوروبية ألغت المراقبة المنتظمة على حدودها الداخلية، مقابل التزام الدول الواقعة على الأطراف بمراقبة الحدود الخارجية المشتركة. وتشكل سبتة ومليلية المحتلتان الحدود البرية الوحيدة للاتحاد الأوروبي مع القارة الإفريقية.
وجاء التصعيد الأوروبي بعدما عبر أكثر من 49 ألف شخص نحو سبتة خلال 24 ساعة، وفق تقديرات نشرتها هيئة الأمن القومي الإسباني نقلا عن وزارة الداخلية قبل حذفها لاحقا من موقعها، في موجة غير مسبوقة دفعت إسبانيا والمغرب إلى تعزيز الانتشار الأمني ووقف أغلب محاولات العبور الجديدة.
وفي حين تؤكد مدريد أنها ستعيد من دخلوا بصورة غير قانونية مع احترام الأحكام القضائية وحقوق المهاجرين، يقدم اليمين الأوروبي الأزمة دليلا على فشل السياسة الإسبانية، ويضغط لتحويل حدود إسبانيا مع بقية القارة إلى خط دفاع ثان داخل الاتحاد.
وبذلك تتجاوز الدعوات الإيطالية والفنلندية مصير الوافدين إلى سبتة، لتفتح مواجهة سياسية حول من يتحمل كلفة حماية شنغن، وحول ما إذا كانت حرية التنقل ستظل حقا مشتركا بين أعضائها، أم امتيازا مشروطا بقدرة كل دولة على إغلاق حدودها الخارجية أمام موجات الهجرة.

