تعكس المعطيات الجديدة التي كشفت عنها المندوبية السامية للتخطيط بشأن وضعية سوق الشغل واقعا دقيقا سبق ان عبّر عنه الخطاب الملكي الأخير بمناسبة عيد العرش، من خلال التنبيه الى التفاوتات الاجتماعية والمجالية، والدعوة الى جعل آثار التنمية ملموسة في حياة جميع المواطنين، بغض النظر عن فئاتهم أو مواقعهم الجغرافية.
فقد سجل معدل البطالة على المستوى الوطني 12,8 في المئة خلال الفصل الثاني من سنة 2025، بانخفاض طفيف لم يتجاوز 0,3 نقطة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
وعلى الرغم من هذا التراجع النسبي، الا ان بنية الارقام تكشف تفاوتات صارخة بين النساء والرجال، وبين الشباب وباقي الفئات العمرية، وبين الوسطين الحضري والقروي. وهي تفاوتات تعيد التذكير بعبارة واضحة في الخطاب الملكي مفادها ان التنمية لا تكتمل الا عندما تساهم في تحسين شروط العيش لجميع المواطنين، وفي مختلف المناطق.
فمعدل البطالة في صفوف النساء بلغ 19,9 في المئة، بعدما كان في حدود 17,7 في المئة قبل عام فقط، ما يعني ان اكثر من امرأة من بين كل خمس نساء نشيطات لا تجد شغلا.
في المقابل، تراجع معدل البطالة لدى الرجال الى 10,8 في المئة، وهو ما يعكس فجوة نوعية تتجاوز تسع نقاط. ويزيد من حدة هذا التباين ما سُجل من ارتفاع في معدل البطالة لدى الشباب ما بين 25 و34 سنة الى 21,9 في المئة، مقابل تراجع طفيف لدى الفئات الاصغر سنا.
من حيث التوزيع المجالي، تتركز 72,3 في المئة من الساكنة النشيطة في خمس جهات فقط، تتصدرها جهة الدار البيضاء – سطات بنسبة 22,2 في المئة، تليها جهة الرباط – سلا – القنيطرة بنسبة 13,6 في المئة، ثم جهة مراكش – آسفي بـ13 في المئة، وجهة فاس – مكناس بـ11,8 في المئة، وجهة طنجة – تطوان – الحسيمة بـ11,7 في المئة.
غير ان هذا التمركز الاقتصادي لا يعكس بالضرورة توزيعا عادلا لفرص الشغل، حيث سُجلت اعلى معدلات البطالة في جهات الجنوب بـ25,7 في المئة، ثم جهة الشرق بـ21,1 في المئة، تليها جهة فاس – مكناس بـ16,2 في المئة، وهو ما ينسجم مع ما وصفه الخطاب الملكي بـ”الاختلالات المجالية التي لا يمكن القبول باستمرارها”.
في مقابل ذلك، سُجلت ادنى معدلات البطالة في جهات درعة – تافيلالت (6,4 في المئة)، ومراكش – آسفي (7,5 في المئة)، وجهة طنجة – تطوان – الحسيمة (8,9 في المئة).
كما اظهرت بيانات المندوبية تفاوتا في معدلات النشاط، حيث لم تتجاوز النسبة 39,7 في المئة في جهة بني ملال – خنيفرة، مقابل 47,9 في المئة في جهة طنجة – تطوان – الحسيمة، ما يعكس تفاوتا في الديناميات الاقتصادية من جهة، وفي قدرة الاسر على ادماج افرادها في سوق الشغل من جهة اخرى.
ورغم هذه المؤشرات المتباينة، تظل احدى النقاط الاكثر اثارة للقلق هي اتساع رقعة الشغل الناقص، الذي يُعد وجها آخر من اوجه الهشاشة التشغيلية. فقد ارتفع عدد النشيطين المشتغلين في هذه الوضعية من 1.042.000 الى 1.147.000 شخص، وهو ما رفع معدل الشغل الناقص من 9,6 الى 10,6 في المئة على الصعيد الوطني.
ويشمل هذا الرقم 602.000 مشتغل يشتغلون بعدد ساعات اقل من المطلوب، و545.000 يزاولون مهاما لا تتلاءم مع مؤهلاتهم او لا توفر دخلا كافيا. وهو ما يعزز صدقية ما جاء في الخطاب الملكي من ان “تحسين ظروف العيش لا يمكن ان يتحقق فقط عبر النمو الكمي، بل من خلال جودة الخدمات وفرص الادماج”.
وقد سجلت بعض القطاعات ارتفاعا حادا في هذا المؤشر، خاصة قطاع البناء والاشغال العمومية الذي قفز فيه معدل الشغل الناقص من 18,9 الى 22,2 في المئة، ثم قطاع الصناعة من 5 الى 6,7 في المئة، والفلاحة من 11,5 الى 12 في المئة، والخدمات من 7,7 الى 8,1 في المئة، ما يعكس هشاشة البنية الاقتصادية في امتصاص البطالة عبر فرص شغل مستقرة.
ويكتسي هذا الوضع اهمية خاصة في ضوء ما جاء في الخطاب الملكي من دعوة صريحة الى “دعم التشغيل عبر تثمين المؤهلات الجهوية وتوفير مناخ ملائم للمبادرة والاستثمار المحلي”، وهو ما يفترض، بحسب ذات الخطاب، الانتقال الى برامج ترابية مندمجة، تتجاوز المقاربات القطاعية التقليدية.
كما تسائل المعطيات الاخيرة ايضا نجاعة منظومة التكوين، حيث بلغ معدل البطالة لدى الحاصلين على الشهادات 19 في المئة، وهو معدل ظل مرتفعا على الرغم من التراجع المسجل في صفوف حاملي شهادات التكوين المهني والثانوي التأهيلي، بما يعكس حاجة ملحة الى اعادة الربط بين الكفاءات المتخرجة وحاجيات الاقتصاد الوطني.
وتُقرأ هذه المعطيات في سياق مؤسساتي يؤطره النموذج التنموي الجديد، الذي شكل مرجعا مركزيا في الخطاب الملكي، سواء في ما يخص اختيارات الاستثمار، او اولويات العدالة المجالية، او بناء اقتصاد اكثر تنوعا وانفتاحا. الا ان استمرار الاختلالات في مؤشرات سوق الشغل يبرز الحاجة الى تنزيل فعلي للمضامين الاجتماعية للنموذج، وفق مقاربة مندمجة توحد جهود الدولة والجماعات والقطاع الخاص، كما دعا الى ذلك الخطاب نفسه.
فالمغرب الذي يشق طريقه بثبات نحو “دولة ذات تنمية بشرية عالية”، كما ورد في خطاب العرش، يجد نفسه اليوم امام امتحان استكمال المسار، عبر تقليص الفجوة المجالية، وتمكين النساء والشباب، وتأمين مناخ عمل لائق يضمن الكرامة الاقتصادية والاجتماعية لجميع المواطنين، بدون استثناء او اقصاء.

