أعادت تعديلات تشريعية تقدم بها نواب اشتراكيون إسبان داخل البرلمان الأوروبي فتح النقاش بشأن موقع المغرب في الاستراتيجية الصناعية الجديدة للاتحاد الأوروبي، في وقت تسعى فيه بروكسل إلى تعزيز الإنتاج داخل القارة وتقليص الاعتماد على الواردات الأجنبية، خصوصاً في صناعة السيارات والتكنولوجيات النظيفة.
وتكتسي هذه المبادرة أهمية خاصة بالنسبة إلى المغرب، الذي أصبح جزءاً من سلاسل التوريد الصناعية الأوروبية، ولا سيما من خلال مصانع السيارات ومكوناتها في طنجة والقنيطرة ومناطق صناعية أخرى، ترتبط بعلاقات إنتاج وتصدير مع شركات أوروبية كبرى.
وذكرت صحيفة El Debate الإسبانية، في تقرير نشرته الأربعاء 4 نونبر، أن النواب الاشتراكيين الإسبان قدموا تعديلاً على المادة السابعة من مشروع التنظيم الأوروبي المعروف باسم «قانون تسريع الصناعة» (Industrial Accelerator Act)، بهدف تمكين بعض الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي من الاستفادة من معاملة أكثر مرونة في تطبيق قواعد الصناعة الأوروبية.
تعديل تشريعي قد يغير قواعد المنافسة
يقترح التعديل، الذي تحدثت عنه الصحيفة الإسبانية، منح معاملة تفضيلية وتطبيق أكثر مرونة لبعض أحكام التنظيم على المنتجات والخدمات والاستثمارات القادمة من دول ترتبط أصلاً بالاتحاد الأوروبي باتفاقيات تجارية أو شراكات اقتصادية.
ورغم أن النص لا يذكر المغرب بالاسم، فإن المملكة قد تكون من بين البلدان المعنية، بالنظر إلى اتفاقياتها التجارية القائمة مع الاتحاد الأوروبي.
وتندرج هذه المبادرة ضمن النقاش الدائر حول مشروع تشريعي قدمته المفوضية الأوروبية في 4 مارس 2026، ويرمي إلى تشجيع شراء المنتجات المصنوعة داخل الاتحاد الأوروبي، خصوصاً في القطاعات الاستراتيجية مثل السيارات والصلب والألمنيوم والإسمنت والتكنولوجيات منخفضة الكربون.
ويهدف المشروع إلى توظيف المشتريات العمومية وبرامج الدعم لتعزيز الإنتاج الأوروبي، مع فرض شروط تتعلق بمنشأ بعض المكونات الصناعية ومدى مساهمتها في خفض الانبعاثات.
ماذا يمكن أن تربحه مصانع طنجة؟
يبرز هذا النقاش أهمية الموقع الذي باتت تحتله طنجة ضمن منظومة صناعة السيارات الأوروبية، بعدما تحولت مناطقها الصناعية إلى قاعدة لإنتاج وتجميع المركبات وتصنيع الأسلاك الكهربائية والمكونات الميكانيكية والإلكترونية الموجهة إلى الأسواق الخارجية.
ومن شأن اعتماد صيغة تسمح بمرونة أكبر تجاه المنتجات المغربية أن يحد، وفق قراءة اقتصادية محتملة، من مخاطر استبعاد مكونات مصنعة بالمغرب من بعض سلاسل الإنتاج المستفيدة من الدعم والمشتريات الأوروبية.
وقد تستفيد الشركات الصناعية العاملة بطنجة من ثلاثة تطورات محتملة: استمرار إدماج المكونات المغربية في سلاسل التوريد الأوروبية، وتعزيز جاذبية الاستثمارات المرتبطة بصناعة السيارات، وتخفيف تكاليف إعادة تنظيم الإنتاج التي قد تفرضها قواعد المنشأ الجديدة.
غير أن هذه المكاسب ليست مضمونة، إذ تتوقف على الصيغة النهائية للتشريع، وعلى شروط احتساب المنشأ الأوروبي، ونوعية المنتجات والبرامج المشمولة به.
كما أن قبول التعديل لا يعني بالضرورة حصول المصانع المغربية على الدعم الأوروبي مباشرة، لأن قواعد الاستفادة من المساعدات والاستثمارات العمومية تختلف بحسب كل آلية.
مصانع طنجة في قلب سلاسل الإنتاج الأوروبية
تكشف المعطيات الرسمية لمجموعة رونو أن المغرب يشكل قاعدة أساسية ضمن منظومتها الصناعية الدولية، إذ بلغ إنتاج المجموعة في مصنعي طنجة والدار البيضاء نحو 394 ألف سيارة سنة 2025، وجرى تصدير 82 في المائة من الإنتاج إلى 63 وجهة، من بينها فرنسا وإسبانيا وألمانيا وإيطاليا.
كما تعتمد المجموعة على شبكة تضم 87 مورداً من المستوى الأول، يساهمون في توفير المكونات والتجهيزات لمصانعها المغربية.
وتوضح مجموعة طنجة المتوسط أن الشركات الصناعية المستقرة بمنصتها تنتج مكونات موجهة، ليس فقط إلى مصنعي رونو وستيلانتيس بالمغرب، بل أيضاً إلى مصانع تجميع أوروبية في فيغو وبرشلونة وفالنسيا وبلد الوليد الإسبانية.
وتعني هذه الروابط أن أي تعديل في قواعد احتساب المنشأ الصناعي الأوروبي يمكن أن تكون له انعكاسات على قرارات التوريد والاستثمار والتشغيل داخل المنظومة الصناعية بشمال المغرب.
مخاوف أوروبية بشأن توسيع الاستفادة
في المقابل، تثير المقترحات الرامية إلى توسيع المعاملة التفضيلية خارج الاتحاد الأوروبي اعتراضات لدى أطراف ترى أن تشجيع الصناعة الأوروبية ينبغي أن يرتبط أساساً بالإنتاج داخل دول الاتحاد.
وتعتبر هذه الأطراف أن توسيع نطاق الاستفادة من القواعد الجديدة إلى شركاء تجاريين من خارج الاتحاد قد يقلص فاعلية الإجراءات الرامية إلى حماية القاعدة الصناعية الأوروبية وتعزيز فرص العمل داخلها.
وأشارت El Debate إلى معارضة نواب من حزب الشعب الأوروبي للتعديل الإسباني، فيما لم يتأكد بعد حصول المقترح على الدعم الكافي لاعتماده.
ويعكس هذا الجدل تبايناً بين توجه يدعو إلى تعزيز الاستقلال الصناعي الأوروبي، وتوجه آخر يركز على الحفاظ على سلاسل الإنتاج العابرة للحدود، التي تعتمد عليها شركات صناعية أوروبية عديدة.
بين الفرصة الصناعية وعدم اليقين التشريعي
لا تزال المبادرة في إطار النقاش التشريعي، إذ يتطلب اعتماد القواعد الأوروبية الجديدة استكمال مسطرة التفاوض والمصادقة داخل مؤسسات الاتحاد.
وبالنسبة إلى المغرب، لا يتعلق الأمر فقط بإمكانية الاستفادة من تسهيلات جديدة، بل أيضاً بتفادي تحول سياسة حماية الصناعة الأوروبية إلى قيود إضافية على صادرات المكونات الصناعية المغربية.
وتبقى مصانع طنجة في موقع حساس داخل هذا النقاش، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالإنتاج الأوروبي وقربها الجغرافي من السوق الموحدة.

