ينعقد اجتماع وزراء الداخلية العرب في تونس في ظرف إقليمي بالغ التعقيد، حيث تتزايد التحديات الأمنية التي تواجه الدول العربية، من تهريب المخدرات إلى الجريمة المنظمة والجرائم السيبرانية، وسط تحولات في أنماط التهديدات العابرة للحدود.
ويتوخى هذا الاجتماع، الذي أصبح تقليدًا سنويًا، مواصلة نهج التنسيق الأمني بين الدول العربية، لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على إشكالية غياب آليات تنفيذية فعالة تجعل من قراراته أكثر من مجرد توصيات يتم تجديدها كل عام بصياغات محدثة.
ولا تختلف الرهانات التي تطرحها الدورة الثانية والأربعون لمجلس وزراء الداخلية العرب كثيرًا عن سابقاتها، حيث تعود إلى الواجهة خطط مرحلية لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، وتعزيز الحماية المدنية، والتصدي للجرائم السيبرانية.
غير أن السياقات تغيرت، فالتحديات الأمنية باتت أكثر تعقيدًا مع تصاعد تهديدات الشبكات الإجرامية التي استفادت من هشاشة بعض الدول العربية، وتنامي ظاهرة الجرائم الإلكترونية التي لم تعد تقتصر على الاحتيال المالي، بل امتدت إلى تهديد الأمن القومي لبعض البلدان.
ورغم أن المجلس يحرص على استضافة منظمات دولية مثل الإنتربول ومكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة، فإن التعاون العربي المشترك لا يزال يعاني من إكراهات سياسية تجعل بعض القضايا الأمنية خاضعة لحسابات الدول أكثر من كونها ملفات ذات مصلحة إقليمية مشتركة.
ويشير الحضور اللافت لوزيرة الداخلية البرتغالية إلى رغبة الاتحاد الأوروبي في تعزيز التعاون الأمني مع الدول العربية، وهو تعاون يستند إلى مصالح أوروبية واضحة تتعلق بالهجرة غير النظامية، ومكافحة الإرهاب، والجريمة المنظمة العابرة للحدود.
غير أن هذا الحضور يطرح في المقابل سؤالًا حول مدى قدرة الدول العربية على فرض أجندتها الأمنية بدل الاكتفاء بالتجاوب مع أولويات الشركاء الدوليين.
فالحديث عن تعاون شرطي أوروبي عربي لا ينبغي أن يكون مجرد امتداد لسياسات أمنية أوروبية ترى في الضفة الجنوبية للمتوسط مصدر تهديد، دون أن تأخذ في الاعتبار الأولويات الأمنية الداخلية لهذه الدول.
وتشمل الأجندة الرسمية للاجتماع مناقشة تقارير عن أنشطة الأمانة العامة بين الدورتين الماضيتين، وكذا التوصيات الصادرة عن المؤتمرات والاجتماعات التي عقدت طيلة عام 2024.
لكن الواقع أن العديد من هذه التقارير تعيد تدوير إشكالات قائمة دون أن تقدم حلولًا ملموسة على الأرض. فأغلب الدول العربية تواجه صعوبات بنيوية في تحديث أجهزتها الأمنية لمجاراة تطور الجريمة، كما أن تنسيق المعلومات بين الدول لا يزال محدودًا بفعل حساسيات سياسية تجعل من تبادل البيانات الأمنية بين بعض العواصم ملفًا شائكًا.
ما سيصدر عن الاجتماع قد لا يختلف كثيرًا عما سبق، إذ ستتم المصادقة على خطط مرحلية جديدة، وستصدر بيانات تؤكد العزم على مواجهة المخاطر المشتركة، لكن تبقى الإشكالية الجوهرية هي القدرة الفعلية على ترجمة هذه الخطط إلى آليات تنفيذية ذات أثر ملموس. فالتحديات الأمنية لا تتطلب فقط اجتماعات دورية، بل تستلزم إرادة سياسية حقيقية لتجاوز الحساسيات بين الدول، وخلق منظومة أمنية عربية قادرة على الاستجابة الفورية للتهديدات بدل الاكتفاء بمعالجة تداعياتها بعد وقوعها.

