ما زال قرار السلطات الجزائرية بإغلاق دار النشر “فرانز فانون” لمدة ستة أشهر يثير جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية والحقوقية، بعدما اعتبرت السلطات أن كتاب “الجزائر اليهودية” للكاتبة هيدية بن ساحلي يحمل مضموناً “يمس بالأمن والنظام العام والهوية الوطنية”.
ويأتي هذا الإجراء، الذي اعتبره العديد من النشطاء والكتاب خطوة جديدة لتقييد حرية التعبير، في سياق تزايد الانتقادات الموجهة للنظام الجزائري بشأن سياساته الثقافية والحقوقية.
وأوضحت دار النشر المتضررة، في بيان أنها تواجه عقوبات إدارية غير مبررة، مؤكدة أن القانون الجزائري يمنح القضاء وحده الحق في تقييم مضمون الكتب واتخاذ القرارات المناسبة بشأنها.
وأشارت إلى أن مسؤول المؤسسة كان قد وُضع تحت الرقابة القضائية سابقاً بسبب نفس الكتاب، الذي يسعى، وفقاً للكاتبة، إلى تسليط الضوء على المكون اليهودي كجزء من النسيج التاريخي للجزائر.
ويتناول الكتاب، الذي صدر باللغة الفرنسية تحت عنوان “اليهودية: أنا الآخر الذي أعرفه قليلاً”، الجوانب الثقافية والاجتماعية ليهود الجزائر ويبرز مساهماتهم في التراث الثقافي للبلاد.
لكن محتواه أثار جدلاً كبيراً منذ صدوره، حيث اضطرت مكتبة “أقوال الشجرة” في العاصمة الجزائرية إلى إلغاء حفل توقيع الكتاب بعد تعرضها لانتقادات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما تم إلغاء ندوة مخصصة لتقديم الكتاب خلال المعرض الدولي للكتاب بالجزائر.
ويرى مراقبون أن الإغلاق يعكس استمرار السلطات الجزائرية في ممارسة الرقابة على الإنتاج الثقافي، خاصة فيما يتعلق بالمواضيع التي تُعتبر حساسة من الناحية السياسية أو تمس الرواية الرسمية للهوية الوطنية.
ويؤكد منتقدو القرار أن التعامل مع الكتاب بهذه الطريقة يسلط الضوء على غياب الانفتاح على النقاش الثقافي والتاريخي في الجزائر، مما يعزز الاتهامات الموجهة للنظام بالتضييق على الحريات العامة.
ويشير خبراء إلى أن هذه الخطوة تأتي في سياق أوسع من سياسات الدولة الجزائرية التي تستهدف النشطاء والمثقفين، والتي تزايدت بعد قمع الحراك الشعبي الذي طالب بتغيير جذري في المشهد السياسي.
وتعكس هذه السياسات، وفق المنتقدين، قلق النظام من أي خطاب قد يُنظر إليه على أنه يناقض الهوية الرسمية التي تروج لها الدولة، خاصة في ظل الصراع المتواصل حول إعادة تعريف الهوية الوطنية بعد عقود من الاستقلال.
من جهة أخرى، يرى متابعون أن الموقف الجزائري من الكتاب يعكس حساسية مفرطة تجاه كل ما يتعلق بالمكون اليهودي في التاريخ الوطني، في ظل المواقف السياسية المعلنة للجزائر من إسرائيل والصهيونية.
ويندرج هذا الموقف ضمن سياسة الدولة التي تسعى إلى السيطرة على السرديات التاريخية والثقافية لضمان توافقها مع التوجهات الرسمية، وفقاً لتحليل هؤلاء المتابعين.
وفي السياق نفسه، تواجه الجزائر انتقادات دولية متزايدة بسبب القيود المفروضة على حرية التعبير، حيث أكدت منظمات حقوقية أن مثل هذه الإجراءات تعكس انغلاقاً ثقافياً وسياسياً يتناقض مع الخطاب الرسمي الذي يروج لجزائر جديدة خالية من الظلم والفساد.
ويشير محللون إلى أن هذا التناقض بين الخطاب والواقع يُضعف من مصداقية الحكومة الجزائرية على الصعيدين الداخلي والدولي.
ويظل قرار إغلاق دار النشر “فرانز فانون” نقطة أخرى تضاف إلى سجل النظام الجزائري في إدارة القضايا الثقافية والسياسية، مما يطرح تساؤلات حول مستقبل حرية التعبير في البلاد في ظل الظروف الراهنة.


