دفعت الحكومة المغربية بتحيين جديد لاولوياتها الاقتصادية والاجتماعية خلال مناقشات اعداد مشروع قانون المالية لسنة 2026، مركزة على تعميم الحماية الاجتماعية وتحفيز الاستثمار وخلق فرص الشغل، في وقت تعاني فيه البلاد من ضغوط مالية متزايدة وتفاوتات مجالية صارخة
واعلنت وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح خلال عرضها امام مجلس الحكومة عن توجه رسمي نحو تسريع تنزيل البرنامج الاصلاحي ضمن اطار تنموي شامل، يأخذ بعين الاعتبار ما وصفته بالالتقائية بين السياسات العمومية، مع التشديد على ضرورة استدامة هذا المسار من خلال التحكم في عجز الميزانية وضمان استقرار المؤشرات الماكرو اقتصادية
ورغم هذا التأكيد على مواصلة الاصلاح، يتواصل الجدل حول مدى قدرة الحكومة على الموازنة بين خطاب اجتماعي طموح وواقع اقتصادي مضغوط. فالمعطيات الرسمية التي تشير الى احتمال بلوغ نسبة نمو في حدود 4.5 في المئة خلال السنة الجارية، تقابلها مؤشرات ميدانية تفيد بتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة واتساع رقعة الفوارق بين الجهات
ويأتي التحديث الميزانياتي في ظل تصاعد الانتظارات الاجتماعية، خاصة مع اتساع قاعدة المستفيدين من التأمين الاجباري عن المرض، واستمرار تأخر صرف بعض تعويضات الدعم المباشر للاسر الهشة، وتعرقل اصلاح المنظومة الصحية التي تعاني من خصاص بنيوي على مستوى الموارد البشرية والبنيات التحتية
كما تراهن الحكومة على تعبئة موارد جديدة دون اللجوء الى خيارات ضريبية قد تثير حساسيات اجتماعية، مع الحفاظ على سقف العجز في حدود 3.5 في المئة من الناتج الداخلي الخام، وهو ما يطرح تحديات حقيقية امام تمويل الالتزامات الاجتماعية دون تقليص نفقات الاستثمار او المس بجودة الخدمات العمومية
وتعكس تصريحات وزيرة الاقتصاد ادراكا لتقلبات السياق الدولي، اذ اشارت الى استمرار حالة عدم اليقين الناتجة عن التوترات الجيوسياسية وتباطؤ النمو لدى الشركاء الاقتصاديين، ما قد يقلص من فرص التصدير وجذب الاستثمارات الاجنبية ويضغط على ميزان الاداءات
وبينما تشدد الحكومة على متانة الاسس الاقتصادية للمملكة، تتصاعد انتقادات خبراء ونقابات وفاعلين مدنيين بشأن محدودية الاثر الاجتماعي للميزانيات السابقة وغياب سياسات ترابية ناجعة تترجم الالتزامات المركزية الى تحسين فعلي في جودة عيش المواطنين، خصوصا في المناطق المتوسطة والهامشية
وتنتظر مناقشات الخريف البرلماني المقبل كاختبار سياسي جديد لمدى التزام الحكومة بترجمة اولوياتها الاجتماعية الى اجراءات فعلية قابلة للقياس، بعيدا عن الصيغ الانشائية والتعهدات العامة. كما يترقب الراي العام كيف ستوازن الوثيقة المالية بين الحاجة الى تقليص المديونية الخارجية وضمان تمويل مشاريع العدالة الاجتماعية والتنمية المحلية
ولا يزال سؤال “اي اصلاح؟ ولمن؟ وباي ادوات؟” يخيم على النقاش العمومي في المغرب، حيث تواجه الدولة مهمة دقيقة: تدبير مرحلة مالية صعبة دون التخلي عن وعود اجتماعية باتت تمس مباشرة شرعية السياسات العمومية وثقة المواطن في جدوى المؤسسات


