بمناسبة أو غيرها، تتصاعد حملات التضليل والتشويه التي تقودها شبكات منظمة من الحسابات الوهمية على وسائل التواصل الاجتماعي، مستهدفة المغرب ومؤسساته.
ظاهرة “الذباب الإلكتروني” الجزائري، التي باتت أداة رئيسية في الحرب الإعلامية الممنهجة، تواصل استغلال الأحداث الوطنية والدولية لضرب الاستقرار وبث الشائعات المغرضة، في سياق عدائي لا يخفى على أحد.
ورُصدت على مدار السنوات الأخيرة، موجات متكررة من الأخبار الزائفة والمعلومات المفبركة التي تستهدف المملكة.
فكلما تحقق إنجاز دبلوماسي، رياضي أو اقتصادي، تنطلق حملات تضليلية تحاول تشويهه، مستخدمة وسائل متعددة، بدءًا من الحسابات الوهمية التي تغمر الفضاء الرقمي بادعاءات كاذبة، وصولًا إلى مقاطع فيديو مفبركة وتقارير مضللة صادرة عن منصات إعلامية مشبوهة.
خلال بطولة كأس العالم 2022، حيث صنع المنتخب المغربي التاريخ ببلوغه نصف النهائي، كثفت الحسابات الوهمية الجزائرية من محاولات التقليل من هذا الإنجاز، مروجة لمزاعم حول “تسهيلات تحكيمية” و”اتفاقيات خفية”، رغم إشادة العالم بأداء “أسود الأطلس”.
وبعد إعلان المغرب استضافة كأس أمم إفريقيا 2025، ظهرت موجة جديدة من الادعاءات التي تحدثت عن “ضغوط مغربية” على الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، وهي مزاعم تم تفنيدها بالكامل من قبل المسؤولين الرياضيين الأفارقة.
ولم تقتصر هذه الحملات على المجال الرياضي، بل امتدت إلى السياسة والاقتصاد. فقد شهدت الأشهر الأخيرة ترويجًا مكثفًا لشائعات تمس استقرار مؤسسات الدولة، كان آخرها موجة الادعاءات التي انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي بشأن أوضاع اقتصادية مزعومة، رغم المؤشرات الإيجابية التي تؤكدها التقارير الدولية حول النمو الاقتصادي المغربي.
كما رُصدت محاولات مكثفة لتأجيج الرأي العام حول قضايا داخلية، عبر تضخيم نقاشات عادية وتحويلها إلى ملفات جدلية تخدم أجندة واضحة.
وتعكس الهجمات المنظمة على المؤسسات الدستورية المغربية، والتي تكررت أكثر من مرة، استراتيجية واضحة تهدف إلى زعزعة الثقة في المؤسسات ومحاولة زرع الشكوك بين المواطنين.
وتروج هذه الحملات، التي غالبًا ما تأتي متزامنة مع أحداث وطنية حساسة، لشائعات حول الوضع الداخلي، سواء عبر فبركة أخبار سياسية، أو تلفيق معلومات اقتصادية مضللة، أو محاولة التشكيك في استقرار البلاد.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة هو التطور الذي شهدته خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت أكثر احترافية وتنظيمًا، معتمدة على تقنيات متقدمة في التضليل الرقمي، بما في ذلك نشر محتوى مُنتج عبر الذكاء الاصطناعي، والتلاعب بالصور والفيديوهات، واستخدام تقنيات الحسابات الآلية (Bots) لخلق انطباع زائف حول حجم التفاعل.
كما أن بعض هذه الحملات يتم تضخيمها عبر وسائل إعلام أجنبية تتبنى الخطاب العدائي نفسه، ما يعكس وجود تنسيق بين هذه الجهات لمحاولة التأثير على الرأي العام.
ورغم كثافة هذه الحملات، إلا أن فعاليتها تظل محدودة أمام وعي المغاربة الذين باتوا أكثر دراية بأساليب التضليل الإلكتروني.
كما أن سرعة تفنيد الشائعات من قبل وسائل الإعلام الوطنية والجهات الرسمية تساهم في الحد من انتشارها. فكلما تم إطلاق حملة جديدة، تجد أمامها مجتمعًا أكثر تحصينًا، يواجه التضليل بالحقيقة، ويرد على الافتراءات بالوقائع الملموسة.
وتفرض مواجهة هذه الظاهرة اليوم تحديات جديدة على المغرب، تتطلب تعزيز الجهود الإعلامية والاستخباراتية لمواكبة تطور تقنيات الحرب السيبرانية.
فرغم أن “الذباب الإلكتروني” يعتمد على أساليب بدائية في بعض الأحيان، إلا أن تطوره المستمر يجعل التصدي له مسؤولية مشتركة بين الإعلاميين، المؤسسات الرسمية، والمجتمع المدني، من أجل حماية المجال الرقمي المغربي من حملات التشويه والتضليل.
وتبقى هذه الهجمات الإلكترونية مجرد انعكاس لخيبات الأمل لدى الجهات التي تقف وراءها، والتي فشلت في فرض أجندتها رغم محاولاتها المتكررة. وبينما يواصل المغرب طريقه بثبات في تحقيق الإنجازات، تظل مثل هذه الحملات مجرد ضجيج رقمي سرعان ما يتلاشى أمام قوة الحقائق والنجاحات الملموسة على أرض الواقع.


