لم يكن المغرب يوما دولة تبحث عن الشرعية في عيون الآخرين، ولا وطنا يحتاج إلى من يبارك خطواته ليثق في اختياراته.
فمنذ استرجاع أقاليمه الجنوبية، ظلّ يتعامل مع ملف الصحراء المغربية ببرودة الأعصاب نفسها التي تُدار بها معارك السيادة الطويلة النفس. مغربية الصحراء ليست موضوعا للنقاش، ولا بندا يُطرَح على طاولات المقايضة، بل هي حقيقة لا تتزحزح، وحقٌّ تاريخي غير قابل للمساومة.
لهذا، لا يخرج المغاربة إلى الشارع من أجل قضية هي جزء من وعيهم الجمعي، ولا يهتفون بما لا يختلفون عليه. الصحراء في الوجدان المغربي لا تحتاج إلى تظاهر لتأكيدها، ولا إلى احتجاج لاستحضارها. هي قضية محسومة، تُدار بعقل الدولة، وتُحصَّن بتوجيه ملكي واضح، أساسه الدبلوماسية الهادئة والمبادرة الواقعية والانخراط المسؤول في المنتديات الدولية، وليس منطق الاصطفاف الأيديولوجي أو المزايدات الموسمية.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن المغرب لا ينتظر من أحد أن يُسلّمه شهادة حسن سيرة في الدفاع عن وحدة ترابه. بالعكس، هو مَن صار يُملي شروط الوضوح في العلاقات الثنائية، ويرسم حدود الاحترام المتبادل بناءً على موقف الشركاء من وحدته الترابية.
ما يميز تفاعل المغاربة مع القضية الفلسطينية هو أنه يظل منسجما تماما مع الثوابت الوطنية، ولا يخرج عن توجهات الدولة أو يضعها في موقف تناقض مع نفسها
هذا التحول الجوهري لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة عقود من العمل المتراكم والجهد الممنهج، تحت قيادة الملك محمد السادس، الذي جعل من ملف الصحراء مرآة لعلاقات المغرب الخارجية، وعمقا استراتيجيا لحضوره الإقليمي والدولي.
وفي المقابل، حين يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية، فإن الصورة تختلف. لا لأن فلسطين أعزّ من الصحراء، ولكن لأن فلسطين ليست ملفا سياديا للمغرب، بل جرح إنساني مفتوح، نازف، ما زال يختبر ضمير العالم.
إنها قضية لا تَسقط بالتقادم، ولا تُنسى برتابة نشرات الأخبار. ولهذا، يتحرك المغاربة. لا لأنهم مضطرون، ولا لأن جهة ما دعتهم، بل لأن فلسطين تسكن وجدانهم قبل أن تُلامس شعاراتهم.
في الشوارع والساحات، تلتقي أطياف المجتمع المغربي: الإسلامي، واليساري، والحقوقي، والمستقل، والمواطن العادي الذي قد لا يُميّز بين قرارات مجلس الأمن ومراسلات مجلس المدينة، لكنه يرى بأمّ عينيه ما يحدث في غزة ويفهمه ببصيرته البسيطة.
لا يحتاج إلى تحليل سياسي ليُدرك أن قتل الأطفال جريمة، وأن قصف المستشفيات والمنازل ظلم لا يُغتفر، وأن الكرامة الإنسانية لا تقبل التجزئة. هؤلاء لا يتحركون دفاعا عن ملفات دبلوماسية معقّدة تُدبّرها الدولة بكفاءة، بل يخرجون لأن ضميرهم لا يسمح لهم بالصمت أمام المآسي.
وما يميز تفاعل المغاربة مع القضية الفلسطينية هو أنه يظل منسجما تماما مع الثوابت الوطنية، ولا يخرج عن توجهات الدولة أو يضعها في موقف تناقض مع نفسه.
على العكس، هذا التفاعل يُظهر الوجه الحضاري للمغرب، ويؤكد على توازن الدولة في الجمع بين الدفاع عن قضاياها الحيوية والانخراط المسؤول في القضايا الإنسانية العادلة. فالمغرب الذي يرأس عاهله لجنة القدس لا يحتاج إلى تبرير موقفه من فلسطين، لأنه موقف ثابت ومبدئي، وليس ظرفياً أو خاضعاً لحسابات.
والمغاربة، الذين لم يتخلّوا يوما عن قضيتهم الوطنية، لا يحتاجون إلى من يمنحهم شهادة في “الانتماء” حين يعبّرون عن تضامنهم مع فلسطين. فهُم لا يرون في مناصرة الشعب الفلسطيني أي تعارض مع الدفاع عن مغربية الصحراء، بل يعتبرون الأمرين معا جزءا من نفس القناعة الأخلاقية والوطنية.
المغاربة، الذين لم يتخلّوا يوما عن قضيتهم الوطنية، لا يحتاجون إلى من يمنحهم شهادة في “الانتماء” حين يعبّرون عن تضامنهم مع فلسطين
وصحيح أن بعض التصرفات غير المسؤولة قد تصدر من جهات محسوبة على القضية الفلسطينية، أو من أفراد يدّعون تمثيلها، وتحاول أحيانا الإساءة إلى المغرب أو التشكيك في مواقفه. لكن المغرب، دولة وشعبا، لا يغيّر مواقفه بسبب لحظات انفعال، ولا يُسقِط قضية عادلة بسبب تصرف فردي أو خطاب معزول. فهو يفرّق جيدا بين الشعب الفلسطيني المظلوم، وبين بعض الأصوات التي تحاول استغلال مأساته في مزايدات سياسية لا تخدم إلا أعداء القيم.
ولهذا اختار المغرب أن يظل وفياً لمبادئه، لا لمواقف الآخرين منه. يدافع عن فلسطين لأنه يؤمن بعدالة قضيتها، وليس لأنه ينتظر مقابلاً سياسياً أو خطاب امتنان. ويدافع عن صحرائه لأنه لا يقبل المساومة، ولا يُفرّط في السيادة. وهذه القدرة على التمييز والفصل بين القضيتين هي ما يجعل الدبلوماسية المغربية نموذجا فريدا، يحظى بثقة الداخل واحترام الخارج.
المغاربة لا يحتاجون إلى الشارع للتذكير بصحرائهم، لأنهم واثقون من الدولة التي تمثلهم، ومن الملك الذي يقودهم. لكنهم ينزلون لأجل فلسطين، لأن في أعينهم دمعة لا تُرهبها السياسة، وفي قلوبهم مساحة لا تُقايضها حدود. وكلما ازداد القصف على غزة، ازداد يقين المغاربة بأن المواقف العادلة لا تموت، وأن الذاكرة الحية لا تُختزل في الرد على الأصوات النشاز.
وفي زمن الخلط، حين تختلط دماء الضحايا بأصوات الانتهازيين، يبقى المغرب على وضوحه: الصحراء مغربية بلا نقاش، وفلسطين قضية إنسانية لا نُحمّلها وزر من لا يمثلونها.


