لا الاحتلال يغري بالبكاء، ولا المشروع الزاحف باسم المقاومة يستدرج الاعجاب. في صراع المحاور المتضادة، يصعب على العاقل أن يجد موطئ قدم بين صفوف المصفقين، لأن كل طرف يخفي وراء خطابه ما يكفي من الالغام لتفجير ما تبقى من المعنى.
أحدهم يغتال الارض باسم الحق، وآخر يحرقها باسم التحرير. كلاهما لا يرى في الاوطان سوى ساحات اختبار، وفي الشعوب سوى وقود لمعركة لا ناقة لها فيها ولا جمل.
في هذا الزمن السياسي المائع، أصبح من السهل تسويق الغضب، ومن الصعب الدفاع عن التروي. تهاجم الدول التي تحافظ على توازنها، لأنها لا ترضي شهية الاصطفاف، ويسخر من بيانات المؤسسات، فقط لأنها لا تستخدم لغة التهديد والوعيد.
وحدهم أولئك الذين يصرخون ويشتمون ويهددون يعتبرون أصحاب مواقف. أما من يزن كلماته، ويتحدث من موقع المسؤولية، فيتهم بالتخاذل أو العمالة أو السير في ركب القوى.
ما لا يدركه كثيرون هو أن السيادة لا تقاس بعدد الصواريخ التي تطلقها الدولة، بل بقدرتها على اتخاذ القرار دون اذعان، وعلى حماية مصالحها دون أن تنجر الى حروب الآخرين.
إن الصوت الذي يقول لن ننخرط ليس أضعف من الذي يهدد بالرد الحاسم، بل قد يكون أكثر شجاعة، لأنه يضع كرامة بلده فوق حماسة الجماهير.
من حق المغاربة أن يختلفوا حول خيارات دولتهم، وأن يناقشوا علاقاتها وتحالفاتها ومواقفها الاقليمية. لا أحد يزعم أن القرارات السياسية قرآن منزل.
لكن حين يتحول النقاش الى بازار للولاءات الخارجية، ويتحول الوطن الى ساحة اختبار لمدى انحيازك لمحور دون آخر، فثمة خلل عميق في المنطق قبل أن يكون في السياسة.
ما جدوى أن نرفض احتلالا ما، لنفتح الباب لمشروع آخر لا يقل خطورة؟ ما الفائدة من مقاومة ظاهرة، إذا كنا نغض الطرف عن أخرى تتسلل تحت الجلد، وتعيد تشكيل المجتمعات من الداخل؟ هناك من يندد بوقاحة بقوى تتسلط على شعوبنا، ثم يرحب بأخرى تدس أفكارها في مناهج التعليم، وفي الجمعيات، وفي الفضاء الديني، تحت يافطة الدفاع عن المظلومين.
الاختراق لا يكون فقط بالجيوش، بل بالخطاب، وبإعادة تشكيل المفاهيم. وإذا كنا نرفض أن تستباح الارض، فالأولى أن نرفض أن يختطف الوعي. فالمعارك الكبرى لا تخاض فقط في الميدان، بل في العقول، وحين يفرغ الناس من إدراكهم السياسي، يصبحون قاب قوسين من التحول الى أدوات.
لسنا في مأمن، لا من غطرسة من يحتقرنا في السر ويتعامل معنا كمجرد أوراق، ولا من زحف من يزعم الدفاع عنا وهو يقضم سيادتنا بهدوء. والاتفاقيات التي توقع تحت عنوان الشراكة، إذا لم تمحص بتبصر سيادي، قد تصبح بوابات لاختراقات أخطر من المدافع.
لهذا، لا بد من موقف مغربي واضح: نرفض أن نبتلع، لا شرقا ولا غربا. نرفض أن يتحول موقفنا من قضية عادلة الى اصطفاف أعمى. نرفض أن نختزل في خانات جاهزة: مع أو ضد، خائن أو مقاوم، تابع أو مستقل. المغرب ليس نسخة من أحد، ولن يكون.
الموقف الوطني المتزن هو ذاك الذي يرفض الاحتلال ويرفض التطرف، يتمسك بالسيادة دون أن يبيع عقله لأي محور، ويدافع عن القضايا العادلة دون أن ينسى أولوياته الداخلية. نحن لا نعيش في جزيرة معزولة، لكننا نعلم أيضا أن العواصف لا تواجه بالصراخ، بل بتقوية الجبهة الداخلية، وبالوحدة حول مؤسساتنا.
أن نضع المغرب أولا، لا يعني أن نتنكر للعدالة، ولا أن نغلق أعيننا عن الجرائم التي ترتكب في حق الشعوب. لكنه يعني، ببساطة، أن لا نسمح لأي طرف، مهما كان خطابه جذابا، أن يقرر عنا، أو أن يسوقنا كقطيع في معركة لا نعرف مآلاتها.
نقولها اليوم، كما قلناها في وجه رياح سابقة: المغرب أولا. لا لأننا نخاف من العالم، بل لأننا نفهمه. ولا لأننا نرفض الانخراط، بل لأننا نختار كيف، ومتى، ومع من.

