بقلم : البراق شادي عبد السلام
يمثل الانتقال الاستراتيجي للمملكة المغربية نحو فضائها الأطلسي تحولا بنيويا عميقا في عقيدة الدولة السيادية وإعادة صياغة جذرية لمفهوم المجال الحيوي للأمن القومي المغربي بعدما تجاوز الخلفيات الدبلوماسية العابرة. وتكشف التحركات الملكية السامية تجاه منطقة غرب إفريقيا وتحديدا نحو المجال البحري والجيوسياسي المعقد لخليج غينيا عن بزوغ جيوبوليتيك سيادي جديد يتجاوز الأطروحات الكلاسيكية القائمة على تأمين الحدود والاعتراف بالوحدة الترابية إذ نجحت الرباط في نقل ثقلها الاستراتيجي من مربع الدفاع وتثبيت المكتسبات إلى مربع المبادرة الهجومية وصناعة الواقع الدولي الجديد وبناء على ذلك تحول خليج غينيا في المنظور الاستراتيجي المغربي إلى امتداد حيوي وعضوي للأطلسي المغربي وشريان لوجستي وأمني متداخل بشكل مباشر مع خطوط الدفاع والمصالح الحيوية للمملكة مما يفرض على صانع القرار في الرباط بلورة مقاربة شاملة قادرة على بناء قطب أطلسي متكامل يربط مصير الاستقرار المغربي بمصير التنمية المستدامة والأمن الجماعي لبلدان هذا الخليج المضطرب.
وارتباطا بهذه الدينامية المتسارعة يتزامن هذا التمدد الاستراتيجي المغربي مع منعطف تاريخي بالغ الخطورة يمر به فضاء خليج غينيا ومنطقة غرب إفريقيا يتسم بفراغات جيوسياسية حادة ناتجة عن التراجع المتسارع للنفوذ التقليدي للقوى الغربية وصعود أنماط جديدة من الصراعات الهجينة والتنافس الدولي المحموم بين أقطاب دولية تسعى لإيجاد موطئ قدم لها على هذه الواجهة البحرية الاستراتيجية ويضع هذا المشهد المعقد المليء بتهديدات القرصنة البحرية والجريمة العابرة للحدود وامتدادات الفوضى القادمة من عمق دول الساحل المقاربة المغربية أمام محك التنزيل العملي لمشروعاتها الكبرى عبر الانتقال الفعلي إلى تحصين المنجزات وبناء البنية التحتية الصلبة وعلى رأسها المخططات التنفيذية لأنبوب الغاز التاريخي المغربي نيجيريا والجاهزية اللوجستية لميناء الداخلة الأطلسي ومن هذا المنطلق يسعى المغرب إلى صياغة جيل جديد من الشراكات الأمنية والاقتصادية القائمة على منطق رابح رابح بهدف حماية الاستثمارات السيادية المغربية الضخمة في المنطقة وإيجاد بنية أمنية وتنموية متكاملة تقودها الرباط لتحويل الأطلسي الإفريقي من فضاء للأزمات والتدخلات الأجنبية إلى قطب جيوسياسي موحد ووازن في النظام الدولي الجديد.
إن المبادرة الأطلسية السامية التي رعاها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله تمثل تحولا هندسيا عميقا في بنية التعاون الإقليمي والدولي ومقتربا جيوسياسيا متكاملا لربط دول الساحل الإفريقي بالفضاء الأطلسي من أجل خلق منطقة اقتصادية مستقرة ومزدهرة. ويشكل خليج غينيا في هذا السياق شريانا تجاريا عالميا حيويا يمتد على طول خط ساحلي شاسع يبلغ 6000 كيلومتر من السنغال إلى أنغولا ويضم 20 دولة ساحلية وتمر عبر هذه الممرات البحرية الحيوية نحو 25% من التجارة البحرية الموجهة إلى القارة الإفريقية بأكملها.
هذا المجال البحري الاستراتيجي الشاسع يواجه تحديات أمنية مركبة تهدد الاستقرار الإقليمي والدولي وتعيق تدفق الملاحة التجارية العالمية؛ فالمنطقة تحتضن ثروات طاقة وغذاء هائلة وتشمل احتياطات نفطية ضخمة تمثل حوالي 10% من إجمالي الإنتاج العالمي للنفط الخام إلى جانب كونها منطقة غنية جدا بمصايد الأسماك التي تعتمد عليها ملايين العائلات الإفريقية في أمنها الغذائي وهو ما يجعل حماية هذه المقدرات وحفظ أمن الممرات المائية مصلحة استراتيجية عليا تتقاطع فيها الرؤية المغربية الرائدة مع الجهود الشريكة الساعية لتأمين جنوب الأطلسي.
وتأسيسا على ما سبق تتجسد العقيدة الأطلسية للمملكة المغربية تجاه خليج غينيا عبر أدوات تنفيذية ومبادرات شجاعة على أرض الواقع حيث يقود جلالة الملك محمد السادس رائد العمل الإفريقي المشترك ثورة بنيوية صلبة ترتكز على مشاريع استراتيجية عابرة للقارة تهدف إلى إعادة صياغة خريطة المصالح الجيواقتصادية في غرب إفريقيا وتبرز المبادرة الملكية السامية لتسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي كحجر زاوية في هذه البنية الإقليمية الجديدة إذ تحولت بفعل الرؤية الملكية المتبصرة إلى التزام سيادي مغربي يهدف إلى فك العزلة الجغرافية والاقتصادية عن دول الساحل الشقيقة مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد عبر وضع البنيات التحتية اللوجستية والموانئ وشبكات النقل المغربية رهن إشارتها ويتكامل هذا البعد الإنساني والتنموي مع مشروع أنبوب الغاز التاريخي المغربي نيجيريا الذي يمثل شريانا سياديا حقيقيا لإنتاج الطاقة وتحقيق الأمن الإقليمي الشامل ليربط دول خليج غينيا بالعمق الأوروبي عبر المنصة المغربية جامعا أكثر من ثلاث عشرة دولة إفريقية في شبكة مصالح مشتركة تمنح الرباط قدرة فائقة على صياغة التوازنات وتثبيت الاستقرار في حوض أطلسي متكامل ومحصن ضد الهزات الاقتصادية والسياسية.
وامتدادا لهذه المشاريع المهيكلة تشكل الجاهزية اللوجستية المتصاعدة لميناء الداخلة الأطلسي الترجمة الميدانية الأبرز لإنجاح مبادرة ولوج دول الساحل والربط مع خليج غينيا حيث يمثل هذا القطب البحري العملاق المنصة اللوجستية المتقدمة وعصب العمارة الأطلسية الموجهة نحو الفضاء الإفريقي متجاوزا النطاق الاستثماري المحلي الضيق ويوفر تحويل الداخلة إلى بوابة بحرية عالمية تطل على فضاء خليج غينيا والساحل ميزة استراتيجية غير مسبوقة للمملكة للتحكم في سلاسل التوريد وتقديم بدائل ملاحة تجارية آمنة ومتطورة قادرة على ربط اقتصادات الدول الحبيسة والساحلية بالأسواق العالمية الكبرى وتوطين الاستثمارات الصناعية بها وبناء على هذه الترسانة من البنى التحتية الصلبة المقرونة بالرؤية التضامنية للمبادرة الملكية ينجح المغرب في نقل ثقله الاقتصادي إلى عمق خليج غينيا محولا التفوق التنموي للمملكة إلى درع جيوسياسي يحمي الاستثمارات السيادية المغربية ويفرض واقعا أطلسيا جديدا تصبح فيه الرباط رقما صعبا وصانعا للتحولات الحتمية في معادلات الطاقة والأمن والتجارة الإفريقية.
وفي مقابل هذه الطفرة التنموية يتحول فضاء خليج غينيا الغني بالثروات النفطية الهائلة والفرص اللوجستية البحرية الواعدة إلى ساحة مكشوفة للصراع الدولي والتدافع الجيوسياسي المحموم الذي تتصادم فيه بعنف استراتيجيات ومصالح القوى العظمى الطامحة لبسط نفوذها على هذه الواجهة الأطلسية الحيوية وبينما يحاول الحليف الأمريكي تعزيز حضوره الأمني وبناء شراكات عسكرية مرنة لمواجهة التمدد الصيني التجاري والبنيوي الكاسح الذي يربط موانئ المنطقة بطريق الحرير تسعى روسيا لترسيخ حضورها العسكري عبر اختراق العمق الاستراتيجي لدول الساحل والوصول المباشر إلى المياه الدافئة على المحيط الأطلسي في وقت يتراجع فيه النفوذ التقليدي الفرنسي بشكل متسارع تاركا خلفه فراغات جيوسياسية بالغة الخطورة وهزات سياسية متتالية في بنية الأنظمة الحاكمة بالمنطقة ووسط هذا الاستقطاب الدولي الحاد والضغوط الخارجية المتزايدة ترفض الدبلوماسية المغربية التموقع كطرف في هذه المحاور المتصارعة وتبرز كقوة توازنية عاقلة وصاحبة مقاربة سياسية شاملة ومستقلة تتجاوز منطق الأحلاف التقليدية لتقدم بديلا إفريقيا خالصا يرتكز على مفاهيم السيادة الوطنية والتنمية المشتركة المستدامة القائمة على قاعدة رابح رابح مما يجعلها صمام أمان يحمي الفضاء الأطلسي في غرب إفريقيا من الانزلاق نحو صراعات الوكالة و الأجندات الإقليمية الضيقة .
وبناء على هذه المعطيات الجيوسياسية المعقدة تتجلى العبقرية الاستراتيجية للمملكة المغربية المستندة إلى الرؤية الملكية السديدة في قدرتها الفائقة على تحويل موقعها الجغرافي المتميز ونفوذها الروحي التاريخي الممتد وثقلها الاقتصادي المتنامي إلى أشمل نقطة التقاء وتكامل حيوي للمبادرات والخطط الدولية المتنافسة في المنطقة ولم يسع العقل الاستراتيجي المغربي من خلال طرح المبادرة الملكية الأطلسية ووضع بنيتها التحتية في خدمة القارة إلى الصدام مع المشاريع الدولية القائمة بل استوعبها بذكاء سياسي وحولها إلى مسارات تكاملية ملموسة يؤطرها مسلسل الرباط للدول الإفريقية الأطلسية الذي أسس لإطار مؤسسي غير مسبوق يجمع البلدان المطلة على المحيط لتوحيد كلمتها وتنسيق مواقفها الاقتصادية والأمنية المشتركة وجعل من المغرب الشريك الاستراتيجي الموثوق والمنصة اللوجستية والسياسية الحتمية التي لا يمكن لأي قوة دولية تجاوزه للولوج الآمن والفعال إلى أسواق غرب إفريقيا وحوض خليج غينيا ونتيجة لهذا التموقع الذكي تصبح السياسة المغربية في إفريقيا بمثابة جسر دبلوماسي صلب وبوابة شرعية تربط الاستثمارات الدولية بالواقع الإفريقي وهو ما يسهم في تحويل خليج غينيا في المنظور الجيوسياسي المغربي من مستنقع للأزمات والتدخلات الأجنبية السلبية إلى فضاء مفتوح وآمن للتنمية متعددة الأطراف تقوده المملكة برؤية سيادية واضحة تخدم الاستقرار القاري وتدعم ازدهار شعوب المنطقة.
وانسجاما مع هذا الموقف الريادي تتطلب صياغة قراءة استراتيجية رصينة للتموقع المغربي الجديد في الساحة الإفريقية الغوص في عمق التحولات البنيوية التي طرأت على العقيدة السياسية والاقتصادية لدول خليج غينيا وفضاء الساحل والتي صاغت لنفسها أجندات استشرافية محدثة تتجاوز أنماط التبعية التقليدية لتبحث عن بدائل سيادية حقيقية استنادا إلى رؤية إقليمية مشتركة تؤمن بوحدة المصير وتعتمد الدبلوماسية المغربية في ترسيخ هذه الروابط على آليات ناعمة وصلبة في آن واحد يتقدمها الحضور المالي والاستثماري المغربي المكثف عبر الأبناك المغربية الرائدة في غرب إفريقيا والتي باتت تشكل عصب التمويل التجاري والاندماج البنكي الإقليمي ومحركا أساسيا لإنعاش المقاولات المحلية وتتكامل هذه الذراع المالية القوية مع الأثر البالغ الذي تحققه ديبلوماسية الأسمدة المغربية التي يقودها المكتب الشريف للفوسفاط لضمان السيادة الغذائية المستدامة لبلدان خليج غينيا والساحل محولة الفوسفاط المغربي إلى أداة استقرار عابرة للحدود تدعم المزارع الإفريقي وتؤمن متطلبات التحول الفلاحي والصناعي في عواصم المنطقة.
وتتطابق هذه المقاربة بشكل كلي مع الرؤية السياسية الجديدة التي صاغتها دول تحالف الساحل مالي وبوركينا فاسو والنيجر في بحثها الدؤوب عن بوابات لوجستية بديلة تفك عزلتها الجغرافية وتحمي قرارها الوطني من الابتزاز الجيوسياسي والعقوبات الإقليمية مما يجعل من المبادرة الملكية لفتح الواجهة الأطلسية طوق نجاة استراتيجي ومنصة تضامنية تدمج هذه الدول الحبيسة في الدورة الاقتصادية العالمية بروح إفريقية خالصة وتدفع بالضرورة نحو تنسيق العمل الأمني المشترك لردع المخاطر البحرية المحدقة بسلاسل التوريد حيث يبرز التنسيق لدعم القوة البحرية المشتركة للساحل الإفريقي وخليج غينيا كحلقة أساسية لحماية الممرات الملاحية الاستراتيجية وتأمين الموانئ وضمان التدفق الآمن لإمدادات الطاقة الحيوية.
وتأسيسا على هذه المقومات الهيكلية تفتح الدبلوماسية المغربية نافذة استشرافية واعدة نحو المستقبل الجيواقتصادي للمنطقة مدعومة بطفرة ديموغرافية هائلة تحول الفضاء الأطلسي الإفريقي وخليج غينيا إلى أضخم خزان بشري وأكبر سوق استهلاكية ناشئة في العالم خلال العقود المقبلة وتؤكد المؤشرات الرقمية أن التعداد السكاني الإجمالي لهذه المنطقة الحيوية التي تضم نيجيريا كعملاق ديموغرافي إلى جانب قوى صاعدة مثل كوت ديفوار وغانا ودول الساحل يسير بخطى متسارعة لتجاوز حاجز نصف مليار نسمة في المدى القريب في أفق ملامسة عتبة المليار نسمة بحلول منتصف القرن الحالي وهي كتلة بشرية يغلب عليها العنصر الشبابي الطموح والأيدي العاملة النشطة ومن هذا المنطلق يدرك العقل الاستراتيجي المغربي أن تحصين المصالح السيادية للمملكة يتطلب التموقع الذكي داخل هذا السوق الاستهلاكي الضخم حيث لا تكتفي مشروعات الرباط بفتح خطوط إمداد عابرة بل تشكل شرايين حيوية لتأمين متطلبات الحياة والنمو لهذه الملايين البشرية إذ يسهم أنبوب الغاز التاريخي في توفير الطاقة للصناعات الناشئة وتكفل ديبلوماسية الأسمدة تحقيق السيادة الغذائية المستدامة بينما يعمل الحضور المالي والاستثماري للأبناك المغربية كرافعة مالية لدمج هذه الطاقات البشرية الهائلة في الدورة الاقتصادية العالمية مما يضمن تحويل الثقل الديموغرافي لغرب إفريقيا من مصدر للهزات الاجتماعية والاضطرابات الأمنية إلى قوة دفع اقتصادية جبارة تقودها الرؤية الملكية المتبصرة لبناء عصر إفريقي واعد.
وحصيلة لهذه الرؤية المندمجة تتلاقى الدبلوماسية المغربية بناء على هذا التماسك المفاهيمي مع الرغبة الإفريقية الجماعية في التحرر التنموي واضعة ثقلها اللوجستي وبنيتها التحتية الصلبة المتمثلة في ميناء الداخلة الأطلسي والطريق السريع تيزنيت الداخلة في خدمة هذه الرؤى المتكاملة ليتلاقى ويتكامل ترابيا مع الطفرة المينائية العملاقة وغير المسبوقة الجاري تشييدها في غرب إفريقيا وخليج غينيا لتحديث سلاسل الإمداد ومواجهة سفن الجيل الجديد والتي تقودها استثمارات مليارية ضخمة مثل مشروع ميناء سيماندو موريبايا العميق في غينيا كوناكري المخصص لتصدير الحديد وميناء لكي للمياه العميقة في لاغوس بنيجيريا إلى جانب التوسعات الهيكلية لميناء أبيدجان وميناء سان بيدرو في كوت ديفوار ومشروع ميناء ندايان الاستراتيجي في السنغال وميناء تيما في غانا بالإضافة إلى التحديث الشامل لميناء لومي في توغو لاستقبال أضخم سفن الحاويات العالمية ولا تقف هذه الأقطاب البحرية الناشئة في المنظور الجيوسياسي المغربي كمنافس يعوق طموحات المملكة بل كحلقات وصل لوجستية حتمية في خط ملاحة أطلسي متكامل يربط شمال القارة بغربها وعمقها الحبيس وتمتد هذه الالتقائية لتشمل بناء ركائز الأمن غير المادي عبر الشبكة الإفريقية للأمن الرقمي وحماية السيادة السيبرانية للمعلومات ومشاريع الطاقة النظيفة العابرة للصحراء مما يسهم في مساعدة دول الساحل على توطين صناعاتها المحلية لثرواتها الخام كالذهب والقطن وخلق فرص عمل حقيقية تحصن الشباب ضد الاستقطاب الإرهابي وشبكات الجريمة المنظمة ومن ثم يبرز الدور الريادي للمملكة كعنصر صهر وتأليف يجمع تطلعات عواصم المنطقة من دكار و أبوجا وأبيدجان وباماكو وصولا إلى واغادوغو ونيامي في إطار رؤية أطلسية موحدة تعيد رسم موازين القوى الدولية وتعلن ولادة عصر إفريقي جديد تصنع الرباط فصوله برؤية ملكية متبصرة.

