كشفت بيانات رسمية جديدة عن مفارقة لافتة في سوق الشغل المغربي خلال الفصل الثالث من العام 2025، حيث تراجع معدل البطالة بشكل ملموس، لكن هذا التحسن الظاهري رافقه تفاقم خطير لظاهرة الشغل الناقص، في إشارة إلى تدهور نوعي في ظروف العمل رغم الزيادة الكمية في فرص التشغيل.
وأفادت المندوبية السامية للتخطيط في مذكرة إخبارية حديثة بأن الاقتصاد المغربي نجح في إحداث 167 ألف منصب شغل جديد مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، جاءت في غالبيتها الساحقة من المناطق الحضرية التي استحوذت على 164 ألف وظيفة، مقابل ثلاثة آلاف فقط في الأرياف، ما يعمق الهوة في فرص التشغيل بين المدينة والقرية.
وجاء هذا الأداء الإيجابي نتيجة مباشرة لارتفاع الشغل المأجور بـ220 ألف منصب، لكنه ترافق مع فقدان 54 ألف وظيفة غير مأجورة، في دلالة على تحول نوعي نحو علاقات الشغل المهيكلة، وإن ظلت محدودة النطاق.
وتصدر قطاع الخدمات قاطرة خلق فرص العمل بإحداث 94 ألف منصب جديد، تلاه البناء والأشغال العمومية الذي ساهم بـ90 ألف وظيفة، فيما أضاف قطاع الصناعة 29 ألف منصب. في المقابل، واصل القطاع الفلاحي نزيفه بخسارة 47 ألف وظيفة، معمقا أزمة التشغيل الهيكلية في الوسط القروي ومؤكدا هشاشة الاعتماد على نشاط اقتصادي يبقى رهين التقلبات المناخية.
انخفاض البطالة مع استمرار التفاوتات
تراجع معدل البطالة من 13.6 بالمئة إلى 13.1 بالمئة، أي بانخفاض نصف نقطة مئوية، مدفوعا بتقلص عدد العاطلين عن العمل بـ55 ألف شخص، توزعوا بين 29 ألفا في المدن و26 ألفا في الأرياف. غير أن هذا الانخفاض أخفى تباينات صارخة بين الفئات الاجتماعية والديموغرافية، إذ ارتفع معدل بطالة النساء إلى 21.6 بالمئة بزيادة 0.8 نقطة، في حين سجل انخفاضا لدى الرجال والشباب وحاملي الشهادات التقنية.
وبقي الشباب الفئة الأكثر تضررا من أزمة التشغيل، حيث بلغ معدل البطالة في صفوف من تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاما نسبة مقلقة قدرها 38.4 بالمئة، أي أن أكثر من ثلث الشباب النشيطين عاطلون عن العمل، ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرة الاقتصاد الوطني على امتصاص الداخلين الجدد إلى سوق الشغل وحول فعالية منظومة التكوين المهني.
وفي الوقت الذي سجل فيه معدل النشاط تراجعا طفيفا على المستوى الوطني من 43.6 بالمئة إلى 43.3 بالمئة، مع انخفاض ملحوظ في المناطق القروية، استقر معدل التشغيل عند 37.6 بالمئة دون تغيير يذكر، لكنه أظهر تباينا جغرافيا بين انخفاض طفيف في الأرياف وارتفاع محدود في المدن.
واستمر التفاوت في فرص التشغيل حسب المؤهلات العلمية، رغم تسجيل تراجع عام في معدل البطالة لدى الحاصلين على شهادات، خاصة التقنيين والأطر المتوسطة، ما يعكس بعض التحسن في قدرة سوق الشغل على استيعاب الكفاءات المتخصصة، دون أن يلغي ذلك المشكلة الأوسع المتعلقة بعدم التوافق بين مخرجات التعليم والتكوين ومتطلبات القطاعات الاقتصادية.
الشغل الناقص: الوجه الآخر للأزمة
لكن التطور الأكثر إثارة للقلق في معطيات الفصل الثالث يتمثل في التصاعد الحاد لظاهرة الشغل الناقص، التي قفز عدد المتأثرين بها إلى 1.199 مليون شخص، بزيادة قياسية بلغت 133 ألف شخص على أساس سنوي. وارتفع معدل الشغل الناقص من عشرة بالمئة إلى 11.1 بالمئة، في إشارة واضحة إلى أن خلق مناصب الشغل لا يعني بالضرورة توفير عمل لائق بشروط مقبولة.
وسجلت أعلى معدلات الشغل الناقص في قطاع البناء والأشغال العمومية بنسبة 22.2 بالمئة، يليه القطاع الفلاحي بـ13.1 بالمئة، وهما القطاعان اللذان يتميزان بطابع الموسمية وضعف الحماية الاجتماعية. وأوضحت المندوبية أن هذه الظاهرة تنجم عن ثلاثة عوامل رئيسية: قلة ساعات العمل المتاحة، عدم كفاية الدخل المحصل، أو ضعف التوافق بين التكوين المهني ومتطلبات سوق الشغل.
وتضررت من هذا الارتفاع بشكل خاص فئات محددة، إذ سجلت أكبر الزيادات في أوساط سكان الأرياف، والرجال، والفئة العمرية بين 35 و44 عاما، إضافة إلى الأشخاص غير الحاصلين على شهادات، ما يعكس استمرار الطابع الهش والهامشي لشريحة واسعة من الوظائف المتاحة في الاقتصاد المغربي.
وتشير هذه المعطيات إلى أن جزءا كبيرا من الوظائف المستحدثة لا يوفر دخلا كافيا أو ساعات عمل مناسبة، ما يضطر العاملين إلى البحث عن فرص إضافية أو القبول بظروف عمل دون المستوى المطلوب، في ظل غياب بدائل حقيقية. ويمثل هذا الوضع تحديا بنيويا أمام السياسات العمومية التي تركز غالبا على الجانب الكمي في خلق الوظائف دون إيلاء اهتمام كاف للجودة والاستدامة.
خريطة جهوية متباينة
على المستوى الجهوي، كشفت البيانات عن تركز كبير للساكنة النشيطة في خمس جهات تستأثر بـ72.5 بالمئة من الإجمالي الوطني، تتصدرها جهة الدار البيضاء-سطات بنسبة 22.9 بالمئة، تليها جهات الرباط-سلا-القنيطرة، ومراكش-آسفي، ثم فاس-مكناس، وطنجة-تطوان-الحسيمة. وسجلت هذه الأخيرة أعلى معدل للنشاط بلغ 46.6 بالمئة، إلى جانب جهة الدار البيضاء-سطات.
أما على صعيد البطالة، فتتركز أيضا في خمس جهات تستحوذ على 73.2 بالمئة من مجموع العاطلين، في مقدمتها الدار البيضاء-سطات بنسبة 26.4 بالمئة. وسجلت أعلى معدلات البطالة في أقاليم الجنوب بـ21.4 بالمئة، والجهة الشرقية بـ21.2 بالمئة، وهي نسب تقارب ضعف المعدل الوطني وتعكس تفاوتات جهوية حادة في فرص التشغيل. في المقابل، حققت جهات طنجة-تطوان-الحسيمة (8.6 بالمئة)، ومراكش-آسفي (8.7 بالمئة)، وسوس-ماسة (9.9 بالمئة) أدنى معدلات البطالة، مستفيدة من ديناميتها الصناعية والسياحية.
وتكشف هذه الخريطة الجهوية عن توزيع غير متوازن للفرص الاقتصادية عبر التراب الوطني، حيث تستفيد المحاور الساحلية والمناطق ذات الثقل الصناعي والخدماتي من معدلات تشغيل أفضل، بينما تعاني المناطق الداخلية والجنوبية من محدودية البدائل الاقتصادية وضعف البنية التحتية، ما يغذي الهجرة الداخلية ويفاقم الضغط على المدن الكبرى.
وتكشف هذه المعطيات المتناقضة عن معادلة معقدة في سوق الشغل المغربي: من جهة، ثمة تحسن كمي ملموس في خلق مناصب الشغل وتراجع نسبي في معدلات البطالة، ومن جهة أخرى، تدهور واضح في جودة التشغيل يتجلى في ارتفاع الشغل الناقص واستمرار الطابع الهش للوظائف، خاصة في القطاعات غير المهيكلة والمناطق الريفية. ويبقى التحدي الأكبر أمام السياسات العمومية هو تحقيق الانتقال من مجرد خلق فرص عمل إلى ضمان شغل لائق بشروط عمل مقبولة وحماية اجتماعية فعلية، في أفق معالجة الاختلالات الهيكلية بين العرض والطلب داخل الاقتصاد الوطني.

