يراهن المغرب على تجنيد جماعاته الترابية كجزء من منظومة متكاملة لدعم القدس الشريف، في إطار مقاربة تتجاوز البعد الرمزي للتضامن، نحو إرساء دبلوماسية ميدانية تنخرط فيها الهيئات المنتخبة، إلى جانب مؤسسات الدولة، في الدفاع العملي عن القضايا الكبرى ذات الطابع القومي والديني.
ويكتسي هذا التوجه بعدا استراتيجيا ضمن الرؤية التي يقودها الملك محمد السادس، بصفته رئيس لجنة القدس، والتي تروم تثبيت حضور مغربي دائم في المدينة المقدسة، عبر مشاريع ملموسة تستجيب لأولويات السكان المقدسيين في ميادين التعليم، الصحة، السكن، والمساعدة الاجتماعية، وتتصدى في الوقت ذاته لسياسات التهويد الاسرائيلية.
ويعتبر إدماج الجماعات الترابية في هذا الورش إحدى أبرز سمات التجربة المغربية، حيث لا تكتفي المملكة بالوسائل الدبلوماسية التقليدية، بل تعبئ الفاعلين المحليين بصفتهم ممثلين شرعيين للساكنة، وكحلقة وصل بين التعبير الشعبي والمؤسساتي.
وقد تعزز هذا المسار خلال السنوات الأخيرة بتوقيع اتفاقيات تعاون متعددة مع وكالة بيت مال القدس الشريف، الذراع الميداني للجنة القدس.
وتعد جماعة طنجة من أوائل الجماعات الكبرى التي انخرطت في هذا المسار، بعدما صادقت في ماي 2025 على مذكرة تفاهم أبرمتها مع مدينة القدس الشريف، على هامش اجتماع منظمة المدن العربية.
وتشمل الاتفاقية أنشطة ثقافية وتعليمية مشتركة، وتبادل البعثات الشبابية، وإقامة معارض تبرز الموروث الحضاري المشترك، إلى جانب تبادل الخبرات في مجال تدبير المرافق العمومية ذات الطابع الثقافي.
وسبق لجماعة طنجة أن رصدت مبلغ خمسين ألف دولار، من ميزانيتها الخاصة، لتغطية تدخل صحي عاجل لفائدة نازحي غزة، تم تنفيذه ميدانيا خلال نونبر 2024 بشراكة مع وكالة بيت مال القدس، وبتنسيق مع جمعية فلسطينية متخصصة.
وشمل التدخل تقديم مساعدات دوائية، وتنظيم ورشات للدعم النفسي لفائدة الأطفال والنساء، ومسحا وبائيا أتاح إنشاء قاعدة بيانات صحية في ظل انهيار البنيات الاستشفائية بالقطاع.
ولا تشكل حالة طنجة استثناء، بل جزءا من دينامية أوسع. فقد صادق مجلس جماعة فاس على اتفاقية استراتيجية مع الوكالة، تغطي الفترة ما بين 2025 و2029، وتقوم على دعم مباشر لمشاريع اجتماعية داخل القدس، من خلال مساهمات مالية تودع في حساب رسمي خاضع للمراقبة، وتخصص لقطاعات حيوية، أبرزها التعليم والصحة.
وتنخرط جماعات أخرى من جهات كبرى، كالدار البيضاء سطات، الرباط سلا القنيطرة، وسوس ماسة، في مسارات مماثلة، مع تفاوت في مستوى النضج وآليات التفعيل، ما يعكس إرادة مركزية لتوسيع نطاق المبادرات، وبناء نموذج تضامني لامركزي يستفيد من الشرعية الانتخابية والموارد الذاتية لهذه الجماعات.
وتؤكد وكالة بيت مال القدس الشريف، التي أنشئت سنة 1997 بمبادرة من الملك الراحل الحسن الثاني، أن هذه الشراكات الترابية تمنح لعملها الميداني بعدا إضافيا، عبر تعزيز القدرة على الاستجابة للحاجيات المحلية داخل القدس، وتوفير تمويل مستقر يراعي الاستدامة ويقلل من الارتهان للمانحين الدوليين.
وبحسب معطيات رسمية، أنجزت الوكالة أكثر من مئتي مشروع منذ سنة 2019، بكلفة فاقت ثلاثة عشر مليون دولار، شملت برامج دعم التمدرس، وتوفير تجهيزات طبية، والمساعدة السكنية، وإعالة الأيتام، وتنظيم إفطارات رمضانية، وتمويل دراسات توثق واقع المدينة العمراني والديمغرافي.
وخلال سنة 2024 وحدها، رصدت أربعة ملايين ومئتي ألف دولار، خصص أكثر من ثلثها للتنمية الاجتماعية.
وينظر إلى هذا النموذج المغربي على أنه يزاوج بين السيادة السياسية والشرعية الشعبية، من خلال إشراك الفاعل المحلي في جهود مواجهة السياسات الاستيطانية، في وقت تفتقر فيه أغلب الدول العربية إلى آليات ميدانية لتجسيد مواقفها الداعمة للقدس.
ويرى مراقبون أن التجربة المغربية تكرس تحولا في وظيفة الجماعات الترابية، التي لم تعد مجرد فاعل تدبيري محدود الصلاحيات، بل أصبحت شريكا في الدبلوماسية الإنسانية، ومكونا فاعلا في التصور الشمولي للعلاقات الخارجية، خاصة حين يتعلق الأمر بقضية تحظى بإجماع وطني متجذر.
وإذا كان الدستور المغربي ينص في ديباجته على أن المملكة تظل وفية لرسالتها في الدفاع عن القضايا العادلة، فإن ما تشهده القدس من تفعيل شراكات ترابية مغربية، يترجم هذا الالتزام على الأرض، ويعيد الاعتبار لدور المجالس المنتخبة كرافعة تضامنية، تمتد من المجال المحلي إلى المحيط الإقليمي، وتسهم في تحصين الحضور المغربي في واحدة من أكثر ساحات الصراع حساسية في العالم.


