بقلم: البراق شادي عبد السلام
لا أخفيك صديقي القارئ سرا أنني من المحبين للمدرسة الهولندية في كرة القدم، تلك المدرسة العريقة بالنسبة لي التي غيرت مفاهيم اللعبة وجعلت من البساطة والجمالية فلسفة حياة فوق المستطيل الأخضر. ولطالما وجدت نفسي، بشكل متواتر لا ينقطع، أعود إلى منصة “يوتيوب” مسترجعا تلك اللحظات الساحرة واللوحات التكتيكية التي رسمتها أقدام “الطواحين” طوال عقود. بل إن الأمر تجاوز المشاهدة العابرة، إذ أمتلك مكتبة رقمية خاصة جمعت فيها بعناية فائقة كبرى المباريات التاريخية للمنتخب الهولندي، والتي أعتبرها إرثا كرويا لا يقدر بثمن. وتضم هذه المكتبة الرقمية المتكاملة جميع النهائيات الكبرى، والملاحم الإقصائية، وروائع “الطواحين” عبر التاريخ مصفوفة في سياق ممتع؛ حيث تبدأ بنهائي كأس العالم 1974 ضد ألمانيا الغربية الذي مثل صدمة البدايات لجيل الكرة الشاملة الأسطوري بقيادة يوهان كرويف، تليها الملحمة الشهيرة لهولندا ضد الأرجنتين في مونديال 1974 بسيمفونية خارقة قادها كرويف تحت المطر وانتهت برباعية نظيفة. وفي نفس البطولة، توثق المكتبة مباراة هولندا ضد البرازيل عام 1974 كمعركة تكتيكية وبدنية طاحنة ضد حامل اللقب حسمها كرويف ونيسكينز بهدفين طائرين، لتنتقل بعدها الذاكرة إلى نهائي كأس العالم 1978 ضد الأرجنتين والملحمة الدراماتيكية المجنونة التي حرم فيها القائم روب رينسينبرينك الطواحين من تتويج محقق في الدقيقة الأخيرة. ولم تغب عن الأرشيف ليلة المجد الأبدي واللقب الوحيد في نهائي كأس أمم أوروبا 1988 ضد الاتحاد السوفيتي والذي خلد بهدف ماركو فان باستن الإعجازي الطائر، مرورا بمواجهة نهائي كأس العالم 2010 ضد إسبانيا في ليلة جنوب أفريقيا التاريخية التي حسمت في الأنفاس الأخيرة من الشوط الإضافي الثاني، وصولا إلى ربع نهائي كأس العالم 2022 ضد الأرجنتين وليلة الجنون الكروي والإعجاز التكتيكية للمدرب فان غال الذي عادت فيه “الطواحين” من الموت بهدفي ووت فيغورست القاتلين قبل أن تحسمها ركلات الترجيح المشحونة. وتختتم هذه السلسلة الفريدة بمباراة هولندا ضد المغرب في دور الـ32 بكأس العالم 2026، تلك الملحمة التاريخية الحابسة للأنفاس التي تجلت فيها عبقرية الإنسان المغربي، حيث فرض الأسود أسلوب الاستحواذ العالي وصدموا الطواحين بنضج خارق قاده مهندس الظل الإستراتيجي محمد وهبي، لتنتهي بركلات الترجيح الدراماتيكية التي حسمت العبور ورفعت سقف الطموح الرياضي للمملكة إلى عنان السماء. وتتمدد هذه المكتبة الرقمية لتشمل أيضا، إلى جانب كل المباريات المتوفر لأعظم منتخب في التاريخ المنتخب المغربي ، و مباريات متعددة وموثقة للعشق الأبدي: النادي المكناسي؛ هذا الكيان العريق الذي يمثل غرام الأحفاد وعشق الأجداد، والملحمة الحية للهوية الكروية المكناسية التي تجري في عروقنا جيلا بعد جيل.
وعلى الرغم من هذا الشغف التوثيقي بجماليات التكتيك الهولندي، إلا أنني أضع حدا فاصلا وقاطعا بين متعة العين وعقيدة القلب؛ فالإعجاب بطواحين هولندا يبقى ترفا فكريا ومتابعة سينمائية، أما الارتباط بالمنتخب الوطني المغربي وبنادينا العريق الكوديم، فهو حالة من الانتماء الوجودي والوطنية الصارمة التي لا تقبل المساومة. إن تشجيع “أسود الأطلس” في جميع ظروفهم وتقلباتهم، في انكساراتهم قبل انتصاراتهم، ليس خيارا كرويا خاضعا للربح والخسارة، بل هو واجب وطني وهبة دم تجري في العروق، وانتماء مطلق للراية والوطن لا يتزعزع أبدا. وبناء على هذا الالتزام الوجداني الصارم، أجد نفسي مدفوعا بفضول المقارنة لألتفت نحو ظاهرة كروية وإنسانية فريدة نعيشها اليوم مع المنتخب الوطني، والذي بات يطلق عليه شعبيا وإعلاميا بكثير من الفخر: “منتخب ولاد الناس”.
وحين نفكك تفاصيل تلك المواجهة الكبرى أمام هولندا، فإننا لا نتحدث عن فوز عابر بركلات الترجيح، بل عن ملحمة تكتيكية مذهلة استحق المدرب محمد وهبي أن يتوج فيها كمهندس إستراتيجي تفوق على دهاء وفلسفة المدرسة الأوروبية العتيقة. فقد كانت المباراة صراعا كلاسيكيا طاحنا أدار فيه وهبي اللقاء بمرونة خططية عالية؛ حيث اعتمد في الشوط الأول على التنظيم الدفاعي المحكم وتضييق المساحات للحد من سرعات كودي جاكبو، قبل أن يتحول بجرأة هجومية غير متوقعة نحو الضغط العالي في الشوط الثاني الكفيل بخلخلة التوازن الدفاعي البرتقالي. وتجلت هذه العبقرية التكتيكية في اختراق الخطوط الخلفية الأكثر صلابة في العالم وضرب عمق الدفاع الذي يقوده الصخرة العتيدة فيرجيل فان دايك، الذي وجد نفسه أمام حصار فني مغربي خانق لم يرحم خبرته الطويلة، لتتوج هذه الملحمة برقصة تكتيكية من ركلة ثابتة نفذت بذكاء لتجد رأسية عيسى ديوب القاتلة في الدقيقة 91، معلنة تفوق ذهن الإنسان المغربي في إدارة التفاصيل الدقيقة والملاحم المصيرية الكبرى.
ولم يكن لهذه الملحمة التكتيكية أن تكتمل فصولها لولا الأداء الأسطوري والخارق لصاحب الجدار البشري الحارس العالمي ياسين بونو، الذي وقف سدا منيعا أمام الهجمات الهولندية الشرسة مجهضا انفراداتها في الأشواط الإضافية. وحين دقت ساعة الحسم والتقى الفريقان عند نقطة الجزاء، تجلت هيبة هذا الحارس العملاق بابتسامته الهادئة الواثقة التي تبث الرعب في نفوس المهاجمين، وتصدى ببراعة لركلي ترجيح متتاليتين معطّلا محركات الطواحين، ليثبت للعالم مرة أخرى أنه رقم صعب في المعادلات المونديالية الكبرى، والركيزة الأساسية الشامخة التي يرتكز عليها كبرياء هذا الوطن فوق المستطيل الأخضر.
وفي سياق هذه الملاحم المونديالية المتتالية، لا يمكن للتاريخ أن يتجاوز المحطة الإعجازية التي هزت أركان الكرة الأرضية في كأس العالم قطر 2022، تلك البطولة التي شهدت على الإنجاز العالمي الخارق لمهندس الثورة الكروية المغربية والأفريقية الناخب الوطني وليد الركراكي. لقد كان ما حققه الركراكي وفتيته إنجازا إعجازيا بكل ما تحمله الكلمة من أبعاد، إذ تحولت الملاعب القطرية إلى مسرح لملحمة تكتيكية وإنسانية أبهرت العالم، حينما قاد الأسود كأول منتخب عربي وأفريقي يكسر جدار المربع الذهبي العتيق لنهائيات كأس العالم، في زلزال هز معاقل المستديرة التقليدية وأسقطت فيه “نية” الركراكي عروشا كروية أوروبية عاتية، لتكتب تاريخا غير مسبوق أثبت بالدليل القاطع أن العبقرية المغربية قادرة على صياغة المستحيل وفرض واقع كروي وجيوسياسي جديد على النطاق العالمي.
ولم يقف هذا الأثر عند حدود الإنجاز الرقمي، بل تعداه ليصنع ظاهرة إنسانية فريدة تمثلت في ذلك الاحتضان العالمي والدعم الجماهيري العارم الذي بات يحظى به المغرب من مختلف أنحاء المعمورة. فلم تعد مباريات أسود الأطلس شأنا محليا، بل تحولت إلى قضية عاطفية تتبناها الشعوب من إفريقيا إلى العالم العربي، وصولا إلى أمريكا اللاتينية وآسيا. لقد ألهمت قصتنا الملايين من عشاق المستديرة الذين رأوا في هذا الفريق ملاحم الكفاح والإرادة، فصارت الهتافات المغربية تصدح بحناجر لا تتحدث العربية، والأعلام الحمراء تتوشح بها أجساد من قارات مختلفة، في استفتاء كوني غير مسبوق جعل من المنتخب المغربي السفير الأول لقيم الطموح المشترك والعدالة الرياضية الكونية، في ملحمة متجددة يقودها شباب مغاربة واثقون، فرضوا احترامهم بالإرادة وقوة الموهبة الشابة فوق خريطة العالم الكروي وعززوا حلم الأجيال القادمة.
وهنا، ومنذ ملحمة قطر وصولا إلى الحاضر، نكتشف أن لقب “منتخب ولاد الناس” يلتقي وينصهر في بودقة واحدة مع المفهوم الفلسفي الأعمق الذي تأسست عليه هذه الطفرة الكروية، وهو “منتخب النية”. فالنية في الثقافة المغربية الأصيلة ليست تمنيات ساذجة، بل هي عقيدة عمل، وصفاء سريرة، وثقة عمياء في التوفيق الإلهي المقرون بالجهد العارم. وعندما تمتزج “النية” الصادقة بأخلاق “ولاد الناس”، يتولد هذا السحر الكروي الذي يربك حسابات أعتى المدارس التكتيكية في العالم.
وقد فرضت هذه الحقيقة الوجدانية نفسها بقوة وأثبتت معدنها الأصيل وسط المجزرة التحكيمية الشرسة التي عرفتها موقعة ثمن نهائي مونديال 2026 أمام المنتخب الكندي. ففي تلك الليلة الحارقة، وتحت ضغط صافرة الحكم التي أغرقت ركائز الأسود بسيل مجحف من البطاقات وحاولت كبح جماح الاندفاع المغربي، انتفض “ولاد الناس” برباطة جأش خارقة ونضج كروي لا مثيل له. ولم يسقطوا في فخ الاحتجاجات العشوائية، بل طبقوا تعليمات مدربهم وهبي حرفيا عبر كسب أغلب الإلتحامات والكرات الثانية في الشوط الثاني، واجهوا الحيف بنية الصادقين وعبقرية المحاربين، محولين الظلم إلى طاقة هجومية مدمرة ترجمت إلى انتصار كاسح بثلاثية نظيفة بأقدام أوناحي ورحيمي.
إنهم “ولاد الناس” لأنهم يحملون معهم فوق عشب الملاعب قيم العائلة المغربية المحترمة في أرقى تمثلاتها؛ فإلى جانب العاطفة الجياشة للأمهات في المدرجات، تبرز قيمة الإسناد والتأطير الإداري ذو البعد الإنساني والإستراتيجي العميق، والذي يقوده رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم السيد فوزي لقجع، الذي يتجاوز منطق المسؤول الإداري الجاف والبروتكول البارد، ليمثل السند الحريص كل الحرص على تنزيل ومواكبة التعليمات المولوية السامية لجلالة الملك محمد السادس، نصر الله وأيده، والتي جعلت من الاستثمار في العنصر البشري وتوفير أرقى البنيات التحتية والظروف اللوجستية للأجيال الصاعدة ركيزة أساسية للسيادة الرياضية الوطنية. إن حضور لقجع الدائم، وقربه النفسي، وحمايته لهؤلاء الشباب وسط الأزمات والمؤامرات والمجازر التحكيمية، يمنح المجموعة ذلك الشعور بالأمان العائلي داخل “الدار الكبيرة”. هذا التلاحم يمتد لترى الكوتش وهبي يقبل رأس سيدة مسنة من الجماهير في مشهد يفيض تواضعا، وتجد شمس الدين الطالبي يركض ليحتضن والدته في المدرجات عقب التأهل، حيث يتحركون بتلك النية التي جعلت من بر الوالدين ودعوات الأمهات وقودا خارقا يقهر كل حيف تحكيمي موجه. وفي عالم أصبحت فيه كرة القدم تجارة باردة وصراعات تكتيكية مادية، يعيد اللاعب المغربي صياغة المفاهيم، ليثبت أن النية الصادقة واللحمة الأخوية الخالية من الأنانية والغرور قادرة على هدم جدران المستحيل وتبديد كل أشكال الخوف داخل مستودع الملابس وخارجه.
إن هذه العبقرية الإنسانية المغربية، التي تجلت تكتيكيا بأقدام كتيبة محمد وهبي وعاطفيا بأخلاق المجموعة وتكاملها الأسري و تناغمها الإنساني، تؤكد أن الانتصار الحقيقي لا يقاس بنتيجة اللوحة الإلكترونية، وإنما بقدرة الرياضة على أن تكون قوة ناعمة تبرز رقي المملكة، وجسر تواصل يثبت قيم النبل والشهامة. فإذا كانت المدرسة الهولندية عبر التاريخ تعتمد على هندسة كرة القدم الشاملة وصدماتها الدراماتيكية، فإن المنتخب المغربي “منتخب ولاد الناس المرضيين” المسلح بالنية والمتشبع بقيم الوطنية الصادقة في وجه المؤامرات والمجازر التحكيمية علمنا وعلم العالم أجمع كيف يمكن لهذه اللعبة أن تصبح ملحمة حية للأخلاق، والوفاء المطلق للوطن في كل مكان وزمان.

