تتنامى ظاهرة جديدة في المجتمع الفرنسي، تتمثل في ما يسمى بـ”الهجرة المعاكسة”، حيث يختار فرنسيون من أصول جزائرية مغادرة البلاد نحو الولايات المتحدة وكندا ودول أوروبية أخرى، بينما يقرر آخرون العودة إلى الجزائر، بلد الأجداد، هربا من أجواء الكراهية والتمييز التي يقولون إنها أصبحت تخنق حياتهم اليومية.
يؤكد المهاجرون الجزائريون وأحفادهم أن فرنسا لم تعد توفر لهم مناخا اجتماعيا آمنا، مع تصاعد حوادث العنف العنصري، واستهداف المسلمين والعرب في وسائل الإعلام والسياسة. وفي الوقت الذي يزداد فيه نفوذ اليمين المتطرف، تتجه أصوات كثيرة من الجالية الجزائرية إلى البحث عن بدائل أكثر تسامحا في الخارج.
الأزمة السياسية والدبلوماسية بين باريس والجزائر تزيد المشهد تعقيدا. فمنذ إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء عام 2024، دخلت العلاقات الثنائية مرحلة توتر غير مسبوقة، وصلت إلى حد تبادل الطرد الدبلوماسي وتعليق العمل باتفاقيات التنقل.
في هذا المناخ المشحون، يتهم الجزائريون السلطات الفرنسية بالتحريض ضدهم واستعمال ملف الهجرة كورقة انتخابية، بينما يعتبر سياسيون فرنسيون أن الجزائر ترفض التعاون بشأن ترحيل المهاجرين غير النظاميين. وفي خضم هذه التجاذبات، تبقى الجالية الجزائرية في فرنسا بين مطرقة الخطاب السياسي وسندان الاعتداءات العنصرية.
قصص فردية تكشف حجم الأزمة: سكينة، شابة خبيرة مالية، غادرت باريس إلى لندن رغم نجاحها المهني، قائلة إن “الضغط النفسي والعنصرية كانا أقوى من أي امتيازات مهنية”. أما ياسين، من الجيل الثالث، فانتقل للاستقرار في بلجيكا حيث يشعر بقدر أكبر من الحرية، بعد أن ظل يُوصم في فرنسا بصفة “المهاجر” رغم ولادته هو ووالده هناك.
المراقبون يرون أن هذه الموجة من “الهجرة المعاكسة” ليست مجرد حالات فردية، بل تعبير عن فشل فرنسا في احتواء التنوع الثقافي والاجتماعي داخلها، مع استمرار اليمين المتطرف في استغلال ملف الجزائر لكسب الأصوات قبيل الانتخابات الرئاسية 2027.

