يحاول الحزب الشعبي الإسباني نقل ملف سبتة ومليلية المحتلتين من سجاله التاريخي مع المغرب إلى قلب المعركة الداخلية ضد حكومة بيدرو سانشيز.
وتندرج الزيارة المرتقبة لزعيم الحزب، ألبرتو نونييث فييخو، إلى سبتة المحتلة، السبت، في هذا الإطار.
فاليمين الإسباني لا يريد فقط تسجيل موقف رمزي بمناسبة “يوم أوروبا”، بل يسعى إلى دفع رئيس الحكومة الاشتراكي إلى موقف دفاعي في واحد من أكثر الملفات حساسية داخل إسبانيا.
وأعلن الحزب الشعبي أن فييخو سيزور سبتة للدفاع عن ما يسميه “إسبانية وأوروبية” سبتة ومليلية.
كما قال إن حزبه سيدافع عن وضع أوروبي خاص للمدينتين، قريب من وضع المناطق فائقة البعد، بما يسمح بتحسين تمويلهما وحضورهما داخل الاتحاد الأوروبي.
غير أن توقيت الزيارة يمنحها بعدا سياسيا أوضح من مضمونها المعلن. فقد جاءت بعد الجدل الذي أثاره تقرير مرافق لمشروع قانون تمويل في مجلس النواب الأميركي، أشار إلى سبتة ومليلية بوصفهما مدينتين تحت الإدارة الإسبانية وتقعان في التراب المغربي.
ولا يشكل التقرير موقفا نهائيا للولايات المتحدة. لكنه وفر للحزب الشعبي مادة سياسية جديدة لمهاجمة سانشيز. فاليمين الإسباني يقدم أي إشارة خارجية إلى وضع المدينتين باعتبارها نتيجة مباشرة لما يصفه بتنازلات الحكومة أمام المغرب.
منذ إعلان 7 أبريل 2022، الذي أنهى أزمة دبلوماسية حادة بين الرباط ومدريد، أصبح الملف المغربي إحدى أدوات الضغط الأساسية على سانشيز.
فقد دعمت إسبانيا، في ذلك الإعلان، مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع.
ويرى الحزب الشعبي في هذا التحول مدخلا دائما لمهاجمة الحكومة. فهو يربط بين التقارب مع المغرب وبين كل نقاش يظهر لاحقا حول سبتة ومليلية المحتلتين، من أجل تقديم سانشيز في صورة رئيس حكومة أضعف الموقف الإسباني.
وتقوم مناورة اليمين على دفع الحكومة إلى خيارين مكلفين. فإذا رفعت مدريد خطابها حول المدينتين، قد تعرض مسار التهدئة مع الرباط للارتباك. وإذا اكتفت برد دبلوماسي محسوب، يتهمها الحزب الشعبي بالتردد في الدفاع عن مصالح إسبانيا.
لهذا السبب، لا تبدو زيارة فييخو موجهة فقط إلى سكان سبتة. فهي رسالة إلى مدريد أولا. ومن خلال اختيار “يوم أوروبا”، يحاول الحزب الشعبي إدخال بروكسل في المعركة، والقول إن الحكومة لم تفعل ما يكفي لتثبيت وضع المدينتين داخل الاتحاد الأوروبي.
لكن هذا الخطاب يصطدم بوضع قانوني وتقني خاص. فسبتة ومليلية لا توجدان ضمن التراب الجمركي للاتحاد الأوروبي، ولا تطبق فيهما ضريبة القيمة المضافة المعمول بها في إسبانيا القارية. كما لا تدرجان ضمن لائحة المناطق فائقة البعد التي تضم، من الجانب الإسباني، جزر الكناري.
وهذا الوضع يمنح الملف بعدا لا يخدم بالكامل سردية اليمين. فالحزب الشعبي يطالب بتعزيز “أوروبية” المدينتين، لكنه يفعل ذلك انطلاقا من اعتراف ضمني بأن وضعهما داخل المنظومة الأوروبية ليس مكتملا ولا عاديا.
أما بالنسبة إلى المغرب، فإن هذا السجال الإسباني يكشف استمرار الطابع الاستثنائي للمدينتين المحتلتين. فهما توجدان في شمال المغرب، وتدبير الحركة التجارية والإنسانية حولهما يظل مرتبطا بالتفاهمات مع الرباط، مهما ارتفع سقف الخطاب الحزبي داخل إسبانيا.
ولذلك يتعامل سانشيز مع الملف بحذر. فهو يحتاج إلى الرد على ضغط اليمين، لكنه يحتاج أيضا إلى الحفاظ على علاقة مستقرة مع المغرب في ملفات الهجرة، والأمن، وحركة الأشخاص والسلع، والتعاون الاقتصادي.
ومن هنا يستمد الحزب الشعبي هامش ضغطه. فالمعارضة تعرف أن سبتة ومليلية المحتلتين ملف لا تستطيع الحكومة الإسبانية تجاهله، ولا تستطيع في الوقت نفسه تحويله إلى مواجهة مفتوحة مع الرباط.
زيارة فييخو، بهذا المعنى، ليست حدثا محليا معزولا. إنها جزء من محاولة يمينية للي ذراع سانشيز بملف شديد الحساسية، وتحويل كل نقاش حول المدينتين المحتلتين إلى اختبار سياسي لعلاقة مدريد بالمغرب، ولقدرة الحكومة الإسبانية على ضبط توازناتها الداخلية والخارجية.

