يحتفل المغرب يوم الأحد 10 غشت باليوم الوطني للمغاربة المقيمين بالخارج، في نسخة ترفع شعار “ورش الرقمنة: تعزيز لخدمات القرب الموجهة لمغاربة العالم”، في وقت تسعى فيه البلاد إلى تسريع التحول الرقمي في مختلف القطاعات، وجعل الخدمات العمومية أكثر قرباً وفعالية.
ويشكل اليوم الوطني للمهاجر، الذي أقره الملك محمد السادس سنة 2003، مناسبة سنوية لتجديد الصلة بين الجالية وبلدها الأم، وتقييم السياسات العمومية الموجهة إليها، واستحضار دورها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في ظل المتغيرات الدولية والتحديات التي تفرضها العولمة الرقمية.
وأوضحت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج أن تنظيم هذه المناسبة سيتم، كما في السنوات الأخيرة، على مستوى جميع عمالات وأقاليم المملكة، بتنسيق مع وزارة الداخلية، لضمان مشاركة أوسع للجالية التي تعود بأعداد كبيرة خلال فترة الصيف.
ويتيح هذا النمط من التنظيم، وفق الوزارة، نقل النقاش من المراكز الكبرى إلى القرب الترابي، حيث يمكن للأفراد التفاعل مباشرة مع المسؤولين، وتقديم ملاحظاتهم حول جودة الخدمات، بما فيها تلك التي أطلقت عبر المنصات الإلكترونية.
تنظيم لامركزي لضمان المشاركة
ويهدف توزيع الأنشطة عبر مختلف الأقاليم إلى تجاوز الطابع الاحتفالي الشكلي نحو فضاءات للنقاش العملي، حيث يمكن للمهاجرين عرض تجاربهم مع الخدمات الرقمية الموجهة لهم، سواء كانت مرتبطة بالإجراءات القنصلية، أو توثيق العقود، أو المعاملات العقارية والإدارية عن بعد.
وستجمع النقاشات ممثلين عن مؤسسات عمومية وقطاعات حكومية ومؤسسات خاصة، إلى جانب فعاليات من المجتمع المدني، في محاولة لتقريب الرؤية الرسمية من التجربة الميدانية لمغاربة العالم.
التحول الرقمي، وفق القائمين على هذا الورش، لا يعني فقط إحداث منصات إلكترونية، بل إعادة هيكلة طرق تقديم الخدمة وتبسيط المساطر، وربط قواعد البيانات بين الإدارات لتفادي تكرار الطلبات أو تعثر الملفات. وتظل هذه القضايا مطروحة بحدة في أوساط الجالية التي تعاني أحياناً من بطء الإجراءات أو صعوبة التواصل مع الإدارات المغربية بسبب فرق التوقيت أو الحواجز اللغوية.
جالية واسعة التأثير
يقدر عدد المغاربة المقيمين بالخارج بحوالي خمسة ملايين شخص موزعين على أكثر من مائة دولة، تتركز غالبيتهم في أوروبا، خاصة في فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا، فيما ينتشر الباقون في أمريكا الشمالية ودول الخليج وأفريقيا.
تحويلاتهم المالية بلغت في سنة 2024 نحو مائة مليار درهم، ما يجعلهم من أهم روافد العملة الصعبة في الاقتصاد الوطني. لكن حضورهم يتجاوز الجانب المالي، إذ يساهمون في الترويج للصورة الثقافية والحضارية للمغرب، والدفاع عن القضايا الوطنية، وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية.
ويأمل المنظمون أن يكون اليوم الوطني منصة لتبادل الخبرات في المجال الرقمي، خصوصاً أن عدداً من الكفاءات المغربية بالخارج يشتغل في شركات تكنولوجية كبرى أو يدير مشاريع رقمية مبتكرة. عرض قصص نجاح لمغاربة ساهموا في تطوير منصات رقمية أو خدمات ذكية داخل المغرب سيكون جزءاً من فعاليات هذه السنة، بهدف تحفيز نقل المعرفة وربط الداخل بالخارج في مجال الابتكار التكنولوجي.
رهانات ورقمنة شاملة
اختيار الرقمنة شعاراً لهذه الدورة يعكس انتقال الدولة من تحسين الخدمات التقليدية إلى إعادة هندستها بشكل كامل عبر التكنولوجيا. السنوات الأخيرة شهدت إطلاق خدمات مثل البوابات الإلكترونية للقنصليات، وإجراءات الحالة المدنية والتوثيق عن بعد، ومنصات للاستثمار، لكن تحديات الربط البيني بين الإدارات وضمان حماية المعطيات الشخصية ما زالت قائمة.
ويؤكد خبراء أن تعزيز الثقة الرقمية ضروري لجذب الجالية نحو استعمال هذه الخدمات، خصوصاً أن جزءاً كبيراً منها يعيش في بلدان تعتمد معايير صارمة لحماية البيانات.
ويتطلب هذا الأمر تطوير الإطار القانوني، وتبسيط الإجراءات، وتوفير فرق دعم تقنية تستجيب بسرعة لطلبات المغاربة في الخارج، بما يتجاوز الحلول التقنية البحتة إلى ضمان تجربة مستخدم ميسرة وموثوقة.
ومن منظور اقتصادي، يمثل الاستثمار في رقمنة الخدمات الموجهة للجالية فرصة لتعزيز التحويلات المالية، وتشجيع استثمارات جديدة، وتسهيل الإجراءات المرتبطة بإنشاء المشاريع أو إدارة الممتلكات عن بعد.
أما من منظور سياسي، فيسهم ذلك في ترسيخ علاقة الثقة بين الدولة ومواطنيها، وإشراكهم في الدينامية التنموية على نحو فعلي، لا رمزي.
ويرى متابعون أن العاشر من غشت يتجاوز كونه موعدا موسميا ليصبح مرآة تعكس ما تحقق من التزامات وما ينتظر من إصلاحات. فالتزامن مع ذروة عودة الجالية يمنحه بعداً إنسانياً واجتماعياً، حيث تلتقي الأبعاد العائلية والوجدانية مع النقاشات المؤسساتية، في مشهد يعكس تنوع أدوار المغاربة بالخارج.
ومنذ إقرار هذا اليوم قبل أكثر من عقدين، تغيرت النظرة الرسمية إلى المهاجر من مجرد مصدر للعملة الصعبة إلى شريك كامل في صياغة السياسات العمومية، وصاحب رأي مسموع في تحديد أولويات الإصلاح.
ومع اختيار الرقمنة شعاراً لاحتفالات هذه السنة، تتطلع السلطات إلى أن يكون هذا الموعد محطة جديدة في مسار تعزيز التواصل بين الإدارة والمواطنين المقيمين بالخارج، وتحويل المقترحات التي ستفرزها اللقاءات إلى مشاريع ملموسة تجعل الخدمات العمومية أكثر سرعة وفعالية وشفافية، بما يرسخ ارتباط الجالية بوطنها الأم على أسس عصرية تستجيب للتحولات العالمية.


