وقف حشد من الحجاج المسلمين، اليوم الخميس، في صعيد عرفات قرب مكة المكرمة، لأداء الركن الاعظم من مناسك الحج، في ذروة شعائر تستقطب اكثر من مليوني حاج هذا العام، وسط اجواء روحانية مهيبة وتدابير تنظيمية واسعة النطاق.
منذ ساعات الفجر، تدفقت جموع الحجاج على جبل الرحمة وساحات عرفات، مرددين التلبية ورافعين اكف الدعاء، في لحظة يعتبرها المسلمون ذروة التعبد في الحج، قبل ان يغادروا مساء الى مزدلفة، في مسار تقليدي محفوف بالقداسة والرهبة.
والقى الشيخ صالح بن حميد، عضو هيئة كبار العلماء وامام المسجد الحرام، خطبة يوم عرفة من مسجد نمرة، مذكرا بفضائل التوحيد وتقوى الله، وداعيا الى التمسك بالوحدة ونبذ الفرقة والاختلاف، في خطاب وصف بانه رسالة ايمانية وعقلانية في آن واحد.
قال الشيخ في خطبته: “من اعظم مقاصد هذا الدين تحقيق التوحيد وجمع الكلمة”، مشيرا الى حرمة الدماء والاموال والاعراض، وضرورة اشاعة السلم بين الناس، في وقت يعاني فيه العالم الاسلامي من ازمات وصراعات متراكبة.
وفي بادرة رمزية تعبر عن شمولية الرسالة، جرى بث الخطبة مباشرة باكثر من خمس وثلاثين لغة، في اطار مبادرة سعودية تهدف الى ايصال مضمونها لملايين المسلمين حول العالم، خصوصا غير الناطقين بالعربية.
ويعد يوم عرفة من اكثر الايام قداسة في التقويم الاسلامي، حيث يكثف فيه الحجاج الادعية والتضرع، طلبا للرحمة والمغفرة، استحضارا لمشهد الوقوف على هذا الصعيد قبل اكثر من اربعة عشر قرنا، حين خطب النبي محمد في حجة الوداع.
وقال عبد المجيد، حاج من باكستان في الخمسين من عمره، لوكالة فرانس برس وهو يغالب دموعه: “هذه اللحظة لا تقدر بثمن… ان تقف على عرفة وتطلب من الله كل شيء، شعور لا يمكن وصفه”.
وعقب غروب الشمس، بدأ الحجاج التحرك في انسيابية نحو مزدلفة، حيث يبيتون ليلتهم، قبل ان ينتقلوا فجر الجمعة الى مشعر منى، لرمي جمرة العقبة وبدء شعائر عيد الاضحى.
وتؤمن السلطات السعودية هذه الشعائر عبر خطة شاملة، تشمل عشرات الآلاف من رجال الامن والكوادر الصحية والخدمية، مدعومة بانظمة مراقبة ذكية وخدمات لوجستية مكثفة.
ويعد حج هذا العام من بين الاضخم منذ الجائحة، ويأتي في ظل حرارة مرتفعة، دفعت السلطات الى توزيع ملايين قوارير المياه الباردة، وتوفير مناطق ظل، وتنبيهات طبية لتفادي ضربات الشمس.
ويتوقع ان تستمر مناسك الحج حتى الاثنين، وسط تدفق متواصل للحجاج على مشعر منى، حيث يستكملون رمي الجمرات ونحر الاضاحي، في ختام رحلة توصف بانها تجديد للعهد مع الله.

