اخذت وتيرة استهداف الجالية المغربية في إسبانيا بعدا مقلقا، من خلال محاولات متكررة لاستثمار سلوكيات فردية لإعادة إنتاج خطاب عام يربط بين الهجرة والتبعية الاقتصادية، في سياق تعرف فيه البلاد تصاعدا لافتا في حضور التيارات المحافظة والشعبوية في النقاش العمومي.
وجاء أحدث مثال على هذا المنحى عقب نشر صحيفة “لاراثون” تقريرا حول مقطع فيديو على “تيك توك“، ظهرت فيه شابة مغربية تتحدث عن نمط عيشها في إسبانيا، معتبرة انها لا تحتاج الى العمل لان شخصا إسبانيا يتكفل بكل مصاريفها.
وكتبت الصحيفة في عنوانها: “مغربية تضحك على الإسبان لانها تعيش على حساب ضرائبهم”، معتبرة ان الفيديو يعكس “استغلالا للنظام الاجتماعي الإسباني من طرف مهاجرين لا يؤمنون بثقافة العمل”.
وفي الفيديو، تقول المرأة: “لا اشتغل، عندي بايو (رجل إسباني) يدفع كل شيء: السفر، الملابس، الاكل. انتم تعملون، وانا استمتع”. وتضيف: “نحن المسلمات لا نشتغل، هذه مسؤولية الرجل”.
ورغم ان المقطع لا يتضمن ما يثبت حصول المتحدثة على مساعدات من الدولة أو عن استغلال حقيقي للنظام الاجتماعي، الا ان التغطية ربطت مضمون الفيديو بإحصائيات حول عدد المغاربة المقيمين في إسبانيا، والذين يفوق عددهم 1.1 مليون شخص حسب المعهد الوطني للإحصاء، معتبرة ان هذه الشريحة “تعيش من اموال الإسبان اكثر مما تساهم في اقتصاد البلاد”.
ولم يتضمن تقرير الصحيفة اي توضيح قانوني حول الوضعية الفعلية للسيدة المعنية، كما لم يُرفق بردود فعل من الجالية المغربية او منظمات المجتمع المدني، ما اثار انتقادات على مواقع التواصل بشأن التعميم وربط سلوك فردي بصورة جماعية.
ويخشى مراقبون ان تؤدي هذه التغطيات الى تعزيز خطاب الكراهية ضد المهاجرين، خصوصا في ظل الحضور المتزايد لاحزاب اليمين المتطرف، التي اعتادت على توظيف هذه الحالات في حملاتها الانتخابية ومداخلاتها البرلمانية، وفق ما رصدته تقارير لمراكز بحثية إسبانية مستقلة.
وتُعد الجالية المغربية من ابرز مكونات المجتمع الإسباني من حيث العدد، وتساهم في قطاعات حيوية مثل الفلاحة والبناء والنقل والخدمات، غير ان مساهمتها غالبا ما يتم تهميشها في التناول الإعلامي، مقابل التركيز على حوادث معزولة تقدم احيانا خارج سياقها، في منابر معروفة بتوجهاتها المحافظة.
ويطرح هذا النوع من التغطيات تساؤلات حول حدود التوظيف الإعلامي لمحتوى المنصات الاجتماعية، والمسؤولية المهنية في نقل محتويات قابلة للتأويل، قد تؤثر على العلاقات الاجتماعية بين فئات متعددة، في مجتمع يعاني اصلا من تحديات اقتصادية وهيكلية عميقة.
ولا تزال ردود الفعل متواصلة حول الفيديو، بين من اعتبر مضامينه مستفزة وغير مسؤولة، وبين من نبه الى خطورة تقديمه كصورة تمثيلية لجالية باكملها، تعيش وتشتغل وتندمج في المجتمع الإسباني ضمن شروط ليست دائما متكافئة.


