تسلط العملية الأمنية المشتركة الأخيرة، التي نفذها المكتب المركزي للأبحاث القضائية، التابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، بتعاون عملياتي واستخباراتي مع المفوضية العامة للاستعلامات التابعة للشرطة الوطنية الإسبانية، الضوء مجددا على الموقع المحوري لمدينة طنجة داخل خرائط التهديدات الإرهابية العابرة للحدود.
وفي بلاغ رسمي، أفاد المكتب المركزي للأبحاث القضائية بأن التدخلات الميدانية المتزامنة أسفرت عن توقيف عنصرين بمدينة طنجة، في حين أوقفت المصالح الأمنية الإسبانية المشتبه فيه الثالث بمدينة مايوركا.
وأوضح البلاغ ذاته أن هذه العملية تندرج في سياق التنسيق المشترك لتحييد مخاطر الإرهاب وتفكيك الشبكات المتطرفة التي تهدد أمن البلدين.
ويشكل هذا البلاغ الصادر عن الجهاز الأمني المتخصص في مكافحة الإرهاب بالمغرب وثيقة مرجعية تؤكد أن تفكيك هذه الخلية تم بفضل الاستغلال الدقيق للمعلومات المتبادلة.
ولا تكمن أهمية هذه القضية في عدد الموقوفين فحسب، بل في ما تعكسه من تموقع طنجة داخل هندسة أمنية شديدة التعقيد عند تماس شمال غرب إفريقيا بجنوب أوروبا.
ولا تُقرأ المدينة هنا باعتبارها “بؤرة” قائمة بذاتها، بل كنقطة يقظة استراتيجية عند بوابة مضيق جبل طارق، حيث تتقاطع الحركة البحرية والبرية واللوجستية الكثيفة مع ضرورات المراقبة الاستباقية في الواجهة الغربية للمتوسط.
وتكتسب هذه المقاربة الجغرافية وزناً أكبر بالنظر إلى تقارير الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (فرونتكس)، التي تصف هذا المسار الغربي للمتوسط بأنه الطريق المباشر المؤدي من شمال غرب إفريقيا إلى جنوب إسبانيا، مسجلة ارتفاعاً ملحوظاً في عمليات الرصد والعبور عبره خلال عام 2025.
ويتعزز هذا المعطى الجغرافي بما كشفته الشرطة الوطنية الإسبانية، في بلاغ صدر الأربعاء، مؤكدة أن التعاون الأمني مع المغرب أفضى منذ عام 2014 إلى تنفيذ 31 عملية مشتركة في المجال المضاد للإرهاب.
وأسفرت هذه التدخلات عن توقيف 150 شخصاً، بينهم 83 في إسبانيا و67 في المغرب. وبالنسبة لمدريد، تجعل هذه العلاقة العملياتية الوثيقة من المغرب “شريكاً أساسياً” في استراتيجية تحييد التهديدات الجهادية الموجهة إلى إسبانيا. وينقل هذا الرقم المتراكم العملية الأخيرة من خانة الخبر الظرفي إلى مؤشر بنيوي على وجود مسرح أمني مشترك يمتد على ضفتي المضيق.
ويأتي هذا التنسيق الميداني في وقت لا يزال فيه الإرهاب الجهادي يمثل الهاجس الأكثر فتكاً داخل الاتحاد الأوروبي.
ويشير ملخص تقرير وكالة تطبيق القانون الأوروبية (يوروبول) حول وضعية الإرهاب واتجاهاته في الاتحاد الأوروبي لسنة 2025، والذي يرصد معطيات 2024، إلى تسجيل 58 هجوماً إرهابياً في 14 دولة عضواً، كان 24 منها منسوباً بشكل مباشر إلى الإرهاب الجهادي.
كما سجلت الوكالة الأوروبية 449 حالة توقيف في قضايا إرهابية، ارتبط 289 منها بهذا الصنف التنظيمي. ويعني هذا أن البيئة الأمنية الأوروبية التي تطل عليها طنجة عبر المضيق تتعامل مع تهديد فعلي وحاضر، يتبدل في أشكاله ومساراته، وليس مجرد خطر نظري أو متراجع.
ومن هذه الزاوية تحديداً، تتعزز حساسية طنجة. فالمدينة تتموضع في طرف مجال أمني بحري يظل مفتوحاً على تحركات الأشخاص والشبكات والتدفقات غير المشروعة.
ويفرض تقاطع ملفات الهجرة السرية والتهريب والجريمة المنظمة والإرهاب داخل فضاءات العبور الكبرى عملاً استباقياً مضاعفاً، ويجعل من اليقظة الاستخباراتية شرطاً ثابتاً لا مجرد رد فعل مناسباتي.
وتؤكد المعطيات الدولية أن هذا التشديد الرقابي لم يعد مقتصراً على المعابر البرية أو المطارات، بل يمتد ليشمل الفضاء المتوسطي الأوسع. ففي أكتوبر 2025، أعلنت المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول) أن عملية “نبتون 7” الخاصة بأمن الحدود في المتوسط، استهدفت المعابر الجوية والبحرية والبرية، وأفضت إلى توقيفات قياسية ومعطيات حيوية بشأن تنقلات مرتبطة بالإرهاب.
ويعني ذلك أن البحر الذي يمنح طنجة موقعها الاستراتيجي يفرض مقاربة أمنية عابرة للحدود، قوامها تبادل المعلومات والتدخل المتزامن.
وتزداد هذه الصورة تعقيداً عند وضعها في سياق إفريقي أوسع. ويشير التقرير السنوي لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) الصادر في 2025 إلى أن منطقة الساحل باتت “المركز العالمي” للإرهاب، مستحوذة على أكثر من نصف الوفيات المرتبطة به عالمياً خلال 2024.
وشددت الأمم المتحدة لاحقاً على أن تنظيم “الدولة الإسلامية” وفروعه ما زال يمثل تهديداً عالمياً مرناً ومتغيراً.
وبين ضفة أوروبية ما تزال ترفع درجة التأهب، وعمق إفريقي يعرف ضغطاً إرهابياً متصاعداً، تبدو طنجة بحكم موقعها أكثر من مجرد مدينة حدودية؛ إنها موضع مراقبة متقدم في عقدة تماس بين فضاءين أمنيين متوترين.
لهذا، فإن الدرس الأبرز من خلية طنجة-مايوركا لا يتعلق بصورة المدينة، بل بوظيفتها الاستراتيجية داخل خرائط الأمن الإقليمي. فطنجة ليست موضعاً للوصم، لكنها بوابة استراتيجية تفرض على المغرب وإسبانيا، ومعهما الفاعلون الدوليون، الحفاظ على مستوى عالٍ من التعاون الاستخباراتي والعمل الاستباقي، لأن الخطر عبر هذا المجال الجغرافي قد يتخذ هيئة خلايا صغيرة، أو وسائط لوجستية تربط بين ضفتين وقارتين.

