أظهرت دراسة أكاديمية حديثة أن انتقال الشركات متعددة الجنسيات، العاملة في المناطق الحرة المغربية، نحو الاعتماد الفعلي لمنظومات الابتكار البيئي، لا يتحقق آليا بمجرد التعرض لضغوط خارجية من قبل الأسواق الدولية أو الزبائن، بل يتوقف بشكل حاسم على قدرة هذه المقاولات على تحويل هذه الإملاءات إلى آليات تنفيذ داخلية راسخة.
وصدرت هذه الدراسة، الموقعة من قبل الباحثتين بثينة الوردي وسعاد بونكاب، في النسخة النهائية لعدد أبريل 2026 من المجلة العلمية المتخصصة “بيزنس ستراتيجي أند ذي إنفايرنمنت” (Business Strategy and the Environment)، التابعة لمؤسسة “وايلي” للنشر.
وحملت الورقة البحثية عنوان “من الضغوط الخارجية إلى التنفيذ الداخلي: بحث نوعي لمحفزات الابتكار البيئي في المناطق الحرة المغربية”.
وتبحث هذه الورقة في محددات انتقال المقاولات ضمن سياق صناعي دولي باتت فيه الاستدامة البيئية شرطا حتميا لضمان التنافسية داخل سلاسل القيمة العالمية، متجاوزة بذلك المحددات الكلاسيكية المرتبطة بكلفة الإنتاج والقدرة التصديرية التي ميزت الاقتصادات الصاعدة في العقود الماضية.
واعتمدت الباحثتان في صياغة خلاصات البحث على مقاربة نوعية دقيقة، استندت إلى إنجاز مقابلات شبه موجهة مع مسؤولين يمثلون 24 منظمة ومقاولة.
واستهدف هذا المسار الميداني تفكيك الطريقة التي تترجم بها الإدارات مطالب السوق، وحتمية الامتثال التنظيمي، والمعايير الدولية للبيئة، إلى قرارات عملية يومية تصاغ داخل الخطوط الإنتاجية.
وخلصت النتائج الميدانية إلى أن مواجهة ترسانة قانونية أكثر صرامة، أو التعامل مع زبائن يمتلكون وعيا بيئيا متقدما، لا يضمنان انتقالا أوتوماتيكيا نحو ممارسات إنتاج مستدامة.
وتعتبر الدراسة أن هذه المعطيات الخارجية تمثل فقط نقطة الانطلاق في مسار معقد، يحتاج إلى بيئة حاضنة داخل المؤسسة قادرة على استيعابه.
وتبرز الدراسة أن الضغوط المرتبطة بالامتثال البيئي تكتسي طابع الفعالية حصرا عندما تنجح الهياكل الإدارية للشركات في استثمارها لتحفيز القدرات الداخلية.
ويشمل هذا التحول إعادة صياغة التنظيم الإداري، وتحديث أنظمة التدبير، وإطلاق برامج التكوين المستمر للموارد البشرية، فضلا عن توجيه الاستثمارات نحو الحلول التقنية المستدامة، ودمج المحددات البيئية ضمن الاستراتيجيات الموجهة لقرارات الإنتاج ومراقبة الجودة.
وفي هذا السياق، تفرد الدراسة حيزا هاما لدور شهادات الجودة والمطابقة البيئية، وفي مقدمتها معايير “إيزو” (ISO). وتؤكد الخلاصات أن هذه الشهادات تفقد قيمتها إذا ظلت مجرد وثائق إدارية تهدف للامتثال لدفاتر تحملات الأسواق الخارجية.
في المقابل، تبرز فعاليتها الحقيقية حين تتحول إلى أدوات مؤسساتية لتغيير أساليب العمل اليومية، وترسيخ ممارسات بيئية قابلة للقياس والاستمرار.
إلى ذلك، تسلط الورقة البحثية الضوء على الوضعية الاعتبارية الخاصة للشركات متعددة الجنسيات المتواجدة في المناطق الحرة.
وتفسر ذلك بخضوع هذه الكيانات الاقتصادية لنسقين متداخلين: نسق محلي يرتبط بمناخ الاستثمار والإطار التنظيمي الذي يفرضه البلد المضيف، ونسق دولي صارم تفرضه استراتيجيات الشركات الأم، والزبائن، ومسارات التوريد العابرة للحدود.
وانطلاقا من هذا المعطى التقاطعي، تتجاوز الدراسة النظرة التقليدية للمناطق الحرة كفضاءات جغرافية معزولة صممت لجذب الرساميل وتنمية الصادرات.
وتدعو إلى مقاربتها كـ”مختبرات” اقتصادية متقدمة، تتيح قياس وتقييم قدرة الاقتصادات الصاعدة، كالاقتصاد المغربي، على إدماج المعايير الدقيقة للإنتاج الأخضر ضمن منظوماتها الصناعية.
وتحذر الخلاصات من اختزال التحول البيئي للمقاولات في مجرد الاستجابة الظرفية لضغوط خارجية، مشددة على أن الابتكار البيئي لا يمكن أن يقرر بجرة قلم إدارية معزولة.
وتؤكد الباحثتان أن بلوغ هذا الهدف يتطلب تراكما داخليا، يتأسس على حكامة رشيدة، وأنظمة قياس دقيقة، وقدرة استراتيجية على تحويل كلفة الامتثال البيئي إلى ميزة تنافسية مستدامة.
وتندرج هذه المقاربة ضمن نقاش اقتصادي دولي أوسع، يعيد تقييم موقع البلدان الصاعدة داخل خريطة الإنتاج العالمي الجديدة. ففي ظل هذا المعطى، لم تعد الجاذبية المبنية على تقليص التكاليف كافية، بل أصبح الولوج إلى الأسواق الدولية مشروطا بالقدرة الاستيعابية للمعايير البيئية والاجتماعية كجزء لا يتجزأ من بنية المقاولة.

