كشفت دراسة علمية جديدة أن قطعا من الآجر المستعمل في مساجد تاريخية بمراكش، يعود عمر بعضها إلى أكثر من خمسة قرون، ما تزال تحتفظ بمقاومة ميكانيكية تراوح بين 11 و17 ميغاباسكال، في نتيجة تسلط الضوء على تقنيات البناء التقليدية التي ساعدت هذه المنشآت على الصمود عبر القرون.
ونشرت مجلة Discover Civil Engineering التابعة لـSpringer Nature الدراسة في 24 غشت، وأعدها الباحث عبد الحق لوكيد من كلية العلوم السملالية بجامعة القاضي عياض في مراكش. وركز البحث على الخصائص الكيميائية والفيزيائية والهندسية للآجر والملاط المستخدمين في عدد من المساجد التاريخية بالمدينة.
وشملت الدراسة عينات من مساجد الكتبية وتينمل وبن صالح والمواسين وسيدي بلعباس وحارة الصورة وسيدي سليمان الجزولي وسيدي إسحاق، جُمعت خلال عمليات ترميم أشرفت عليها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. وحلل الباحث 24 عينة من الآجر، إلى جانب عينة من الملاط.
وأظهرت التحاليل أن البنائين اعتمدوا آجرا من الطين المحروق، رُبط بملاط يتكون أساسا من الرمل والجير الهوائي، مع نسبة جير تقارب 57 في المائة. وخلص الباحث إلى أن هذا المزيج ساهم في منح البناء قدرة على تحمل العوامل الطبيعية على مدى فترات طويلة.
ويشير التحليل المعدني إلى أن الآجر صنع من طين غني بالكوارتز والفلسبار ويحتوي على الحديد، المسؤول عن اللون الأحمر المميز للآجر المراكشي. كما تدل التركيبة المعدنية، بحسب الدراسة، على أن عملية الحرق تجاوزت على الأرجح 900 درجة مئوية.
وعند إخضاع القطع القديمة لاختبارات الضغط، سجل الباحث مقاومة بين 11 و17 ميغاباسكال، رغم أن بعض العينات تجاوز عمرها 500 سنة. ويقارن البحث ذلك بمقاومة أقل بكثير مسجلة في دراسات سابقة للبناء التقليدي بالطين المدكوك.
لكن المفارقة التي رصدتها الدراسة تتمثل في أن الآجر القديم يمتص الماء أكثر من الآجر الحديث، من دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى انهيار خصائصه الميكانيكية. ويشرح الباحث ذلك بقدرة المادة على امتصاص الرطوبة ثم تحريرها، وهي خاصية تعرف في مواد البناء بـ”التنفس”، وتساعد على تجنب تراكم الماء داخل الجدران.
وكشف قياس أبعاد الآجر عن قدر من التشابه بين القطع رغم اختلاف الفترات التاريخية وتقنيات التصنيع. وبلغ متوسط أبعادها نحو 27.3 سنتيمترا طولا و13.4 سنتيمترا عرضا و4.5 سنتيمترات سماكة.
وسجل الباحث انتظاما أكبر في آجر مسجد المواسين، بينما ظهرت اختلافات أوضح في عينات مساجد أخرى، وهو ما ربطه بتعدد مراحل الإنتاج والإصلاح واختلاف طرق الصناعة التقليدية عبر العصور.
ولا تقتصر أهمية النتائج على تفسير صمود المباني القديمة، إذ يحذر البحث ضمنيا من إدخال مواد حديثة غير متوافقة خلال عمليات الترميم. ويرى أن معرفة التركيبة الأصلية للآجر والملاط ضرورية لاختيار مواد بديلة تتصرف بالطريقة نفسها تجاه الحرارة والرطوبة والضغط.
ويخلص الباحث إلى أن الجمع بين الآجر الطيني المحروق والملاط القائم على الجير يمثل خيارا مناسبا لتدعيم العناصر المعمارية المتضررة في المساجد التاريخية، بدلا من استبدالها بمواد تختلف جذريا عن التركيبة الأصلية للبناء.
وتقدم الدراسة بذلك تفسيرا علميا لجزء من سر بقاء منشآت مراكش التاريخية، إذ لم يعتمد صمودها على سماكة الجدران وحدها، بل على خصائص مواد محلية أُنتجت بدرجات حرارة مرتفعة وصممت بطريقة تسمح للجدران بالتعامل مع الرطوبة من دون فقدان تماسكها عبر الزمن.

