نقل رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين “قلقه الشديد” من رد فعل بعض الحكومات الأوروبية على أزمة سبتة، بعدما تحولت موجة العبور الجماعي نحو المدينة المحتلة من ضغط حدودي مفاجئ إلى خلاف سياسي يهدد حرية التنقل داخل فضاء شنغن.
وذكرت وكالة “أوروبا برس”، السبت، أن سانشيز بعث برسالة إلى فون دير لاين انتقد فيها مطالبة حكومات أوروبية باستبعاد إسبانيا مؤقتا من منطقة شنغن، متهما تلك الحكومات ببناء مواقفها على الأحكام المسبقة والأخبار الزائفة والاعتبارات السياسية.
وجاء التحرك الإسباني بعد دخول نحو 50 ألف شخص إلى سبتة الخاضعة للإدارة الإسبانية والتي يطالب المغرب باستعادتها، في موجة غير مسبوقة وضعت المدينة ومرافقها الأمنية والاجتماعية أمام ضغط كبير، قبل أن تعيد السلطات غالبية العابرين بالتنسيق مع المغرب.
وبحسب “أوروبا برس”، أكد سانشيز في رسالته أن السلطات تمكنت من إعادة معظم الذين دخلوا بصورة غير نظامية، كما منعت تحركهم لاحقا نحو البر الأوروبي، في رد على المخاوف التي دفعت بعض الدول إلى المطالبة بتشديد الرقابة على القادمين من إسبانيا.
خلاف حول شنغن
ورفض رئيس الحكومة الإسبانية تحميل بلاده مسؤولية تهديد الأمن الداخلي للاتحاد الأوروبي، مشددا على أن سبتة لا تدخل ضمن فضاء شنغن، وأن أعدادا محدودة من المهاجرين ظلت داخل المدينة بعد عمليات الإرجاع.
كما استند سانشيز إلى بيانات وكالة حماية الحدود الأوروبية “فرونتكس”، ليؤكد أن إسبانيا تمثل إحدى أقل الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي تعرضا للاختراق، وأن عدد حالات الدخول غير النظامي عبر حدودها الجنوبية خلال السنوات الخمس الماضية بلغ نصف الحالات المسجلة في إيطاليا.
وتسعى مدريد من خلال هذه الأرقام إلى إقناع شركائها بأن أزمة سبتة لم تتحول إلى موجة هجرة داخل أوروبا، وأن الإجراءات التي اتخذتها بعض الحكومات لا تتناسب مع واقع الوضع الميداني بعد تراجع أعداد العالقين في المدينة.
لكن الأزمة سرعان ما اتخذت بعدا سياسيا أوسع، بعدما أعلنت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إغلاق الحدود أمام القادمين من إسبانيا، وهو قرار وصفه سانشيز بأنه أناني واستقطابي وغير قانوني.
واعتبر رئيس الحكومة الإسبانية أن المطالبة بتعليق عضوية بلاده في فضاء شنغن تتعارض مع القانون الأوروبي والقواعد الإنسانية ومبدأ التضامن بين الدول الأعضاء، محذرا من أن القرارات المنفردة تهدد المصالح الأوروبية على المدى الطويل.
وتكشف هذه المواجهة حجم الانقسام داخل الاتحاد الأوروبي بشأن إدارة الهجرة. ففيما تطالب دول الوصول بتقاسم المسؤولية، تدفع حكومات وأحزاب يمينية نحو تشديد الحدود الداخلية وتحميل الدول الواقعة على الضفة الجنوبية مسؤولية وقف الوافدين قبل انتقالهم إلى بقية أوروبا.
طلب تحرك عاجل
وطلب سانشيز من الرئاسة الإيرلندية لمجلس الاتحاد الأوروبي عقد اجتماع عاجل عبر تقنية الاتصال المرئي لوزراء الداخلية، بهدف الاتفاق على رد مشترك للأزمات المشابهة، والتأكيد أن حماية الحدود الخارجية مسؤولية جماعية لجميع الدول الأعضاء.
كما دعا فون دير لاين إلى قيادة تحرك أوروبي سريع ومنسق، لمنع توسع الخلاف واتخاذ مزيد من الإجراءات الأحادية التي قد تقوض حرية التنقل داخل الاتحاد.
ويشكل فضاء شنغن أحد أعمدة المشروع الأوروبي، إذ يسمح بالتنقل دون مراقبة منتظمة بين معظم الدول الأعضاء، لكن الحكومات تحتفظ بحق إعادة فرض الرقابة بصورة مؤقتة عند وجود تهديد أمني أو ضغط استثنائي.
وتخشى مدريد أن تستخدم أزمة سبتة ذريعة لعزل إسبانيا داخل الاتحاد، رغم أن المدينة توجد خارج نطاق شنغن وأن السلطات الإسبانية، بمساعدة المغرب، تمكنت من تقليص أعداد الوافدين ومنع انتقالهم إلى القارة الأوروبية.
وأبرز سانشيز، دور التنسيق مع السلطات المغربية في استعادة السيطرة على الوضع، معتبرا أن التعاون بين الرباط ومدريد سمح بإعادة أغلب العابرين واستمرار السياسة الإسبانية في تدبير الهجرة.
ويمنح هذا الإقرار المغرب موقعا مركزيا في احتواء الأزمة، بعدما ساهمت تدخلاته الميدانية واستعادته آلاف العائدين في منع تحول موجة العبور إلى أزمة ممتدة داخل سبتة أو إلى تحركات واسعة في اتجاه دول أوروبية أخرى.
وتأتي رسالة سانشيز في وقت تحاول فيه الحكومة الإسبانية الدفاع عن سياستها أمام ضغط مزدوج، مصدره أحزاب المعارضة في الداخل، وحكومات أوروبية تخشى انتقال تداعيات الأزمة إلى أراضيها.
وبعد انحسار موجة العبور عند أسوار سبتة، انتقلت المواجهة إلى بروكسل، حيث تسعى مدريد إلى انتزاع موقف أوروبي موحد يحميها من العزلة، بينما تدفع حكومات أخرى نحو قيود أشد على إسبانيا بدعوى حماية الحدود الداخلية للاتحاد.

