أقرت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية بأن الملك محمد السادس نجح في إعادة تشكيل العلاقة بين المغرب وإسبانيا، ودفع مدريد إلى مراجعة مواقفها في ملفات استراتيجية، رغم أن حجم الاقتصاد المغربي لا يتجاوز، وفق الصحيفة، عشر حجم الاقتصاد الإسباني.
واختارت الصحيفة لمقالها عنوان “الملك الذي تفوق على بيدرو سانشيز”، معتبرة أن المغرب عرف كيف يوظف عناصر القوة التي تتيحها الجغرافيا والترابط بين البلدين، فيما وجد رئيس الحكومة الإسبانية نفسه مطالبا بالحفاظ على علاقة هادئة مع الرباط وتجنب أزمة جديدة معها.
وقالت الصحيفة إن البلدين يرتبطان بشبكة كثيفة من العلاقات التجارية، لكنهما يختلفان بشأن ملفات جيوسياسية أساسية، بينها الصحراء وسبتة ومليلية والعلاقة مع الجزائر والولايات المتحدة.
ورغم تقديم المقال تدبير الهجرة باعتباره ورقة ضغط مغربية، فإنه يقر بأن قدرة الرباط على التأثير لا ترتبط بحجم اقتصادها، بل بموقعها ودورها في حماية الضفة الجنوبية لإسبانيا وضبط طرق الهجرة نحو سبتة وجزر الكناري.
واعتبر بول مورياس، مدير مركز برشلونة للشؤون الدولية، أن القوى الأكثر تأثيرا ليست دائما الأكبر حجما، بل تلك القادرة على الاستفادة من علاقات الاعتماد المتبادل، وهي قراءة تضع المغرب في موقع الطرف الذي عرف كيف يحول حاجات إسبانيا الأمنية إلى وزن سياسي في العلاقة الثنائية.
ويعيد المقال جذور التحول إلى الأزمة الدبلوماسية سنة 2021، عندما استقبلت إسبانيا زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي سرا للعلاج، دون إبلاغ المغرب، ما دفع الرباط إلى اتهام مدريد بالتواطؤ مع خصمها والإخلال بالثقة بين البلدين.
ونقلت الصحيفة عن ريكاردو فابياني، مدير شمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، أن المغرب اعتبر إخفاء دخول غالي دليلا على غياب الاحترام، وقرر بعد ذلك إعادة ضبط العلاقة كاملة مع إسبانيا.
وأضاف فابياني أن المغرب انطلق من قناعة مفادها أن إسبانيا تحتاج إليه أكثر مما يحتاج هو إليها، في إشارة إلى تحول ميزان التفاوض بين البلدين عقب الأزمة.
وبعد عام واحد، سجل المغرب أبرز مكاسبه، عندما غيرت حكومة بيدرو سانشيز موقفها من قضية الصحراء وأعلنت دعم مبادرة الحكم الذاتي المغربية.
ووصفت “فايننشال تايمز” هذا التحول بأنه “انتصار” حققته الرباط، مشيرة إلى أن مدريد أيدت منح الصحراء حكما ذاتيا تحت السيادة المغربية، وانتقلت بذلك إلى موقف ينسجم مع مواقف قوى أوروبية أخرى.
ونقلت الصحيفة عن أستاذ العلوم السياسية المغربي عمر بروكسي أن العلاقات بين الرباط ومدريد دخلت بعد ذلك مرحلة جديدة وأكثر إيجابية.
وتعزز هذا المسار، وفق المقال، بعد تأكيد اختيار المغرب وإسبانيا والبرتغال لتنظيم كأس العالم 2030، فيما برز التعاون المغربي أيضا عقب فيضانات فالنسيا سنة 2024، عندما أرسلت المملكة عشرات الشاحنات المتخصصة للمساعدة في إزالة الأوحال.
وترى الصحيفة أن سانشيز سعى خلال السنوات الأخيرة إلى تجنب قطيعة جديدة مع الملك محمد السادس، واعتمد خطابا هادئا تجاه المغرب، بسبب حاجة إسبانيا إلى تعاونه في الحد من تدفقات الهجرة غير النظامية نحو جزر الكناري.
وحتى بعد عبور نحو 60 ألف شخص إلى سبتة، لم يوجه رئيس الحكومة الإسبانية اتهاما إلى المغرب، بل قال إن مساعدة الرباط مكنت من إعادة غالبية العابرين خلال 24 ساعة.
كما تبنى سانشيز الرواية التي حملت المسؤولية لشبكات الاتجار بالبشر والمعلومات المضللة المنتشرة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وهي الرواية نفسها التي أعلنتها الحكومة المغربية لاحقا.
ويكشف هذا الموقف، خلافا لبعض الانتقادات الواردة في المقال، أن مدريد لم تعد تتعامل مع المغرب كطرف يمكن تحميله مسؤولية كل أزمة حدودية، بل كشريك تحتاج إليه لاستعادة السيطرة على الوضع.
ويحدد المقال ثلاثة ملفات ما زالت تختبر العلاقة بين البلدين. يتعلق الأول بسعي إسبانيا إلى الحفاظ على علاقاتها مع الجزائر، التي وصفها المقال بالخصم الإقليمي للمغرب ومورد مهم للغاز إلى مدريد.
ويتعلق الملف الثاني بسبتة ومليلية، إذ يؤكد المقال أن المغرب لا يعترف بالسيادة الإسبانية عليهما، وأن بعض المغاربة يستعملون تعبير “سبتة المحتلة”، بينما تضع إسبانيا احتمال الدفاع العسكري عن المدينتين ضمن خططها.
أما الملف الثالث فيرتبط بالعلاقة مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إذ يقدم المقال الملك محمد السادس باعتباره حليفا مقربا من ترامب، في مقابل توتر علاقته مع سانشيز بسبب الإنفاق الدفاعي والهجرة والحرب على إيران.
وتشير الصحيفة إلى أن اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء سنة 2020 جاء في سياق العلاقات الوثيقة بين الرباط وواشنطن، وأن موقف إدارة ترامب يمنح المغرب فرصة لدعم أهدافه السياسية.
ونقلت عن الأكاديمي الأمريكي مايكل والش أن المغرب يملك فرصة بين تنصيب ترامب والانتخابات النصفية الأمريكية لدفع أهدافه المرتبطة بسبتة ومليلية، بسبب علاقته الجيدة بالبيت الأبيض وتوتر العلاقة بين ترامب وسانشيز.
ويخلص المقال، رغم لغته المنتقدة للمغرب، إلى أن الرباط خرجت من خمس سنوات من الأزمات بموقف أقوى، وانتزعت تحولا إسبانيا في قضية الصحراء، وحافظت على شراكتها مع مدريد، وفرضت الاعتراف بدورها في تدبير أمن الحدود والهجرة.
كما يعترف بأن سانشيز، الذي حاول الحفاظ على التهدئة، أصبح يتحرك داخل علاقة تحدد الرباط جزءا مهما من شروطها، بينما باتت إسبانيا أكثر حرصا على تجنب أي قرار يمس المصالح المغربية أو يعيد أزمة الثقة التي انفجرت عقب استقبال إبراهيم غالي.

