لم تعد الرقمنة بالنسبة إلى المقاولات المغربية ترفا تقنيا أو شعارا مؤسساتيا. في طنجة، حيث تتقاطع الصناعة واللوجستيك والتجارة والخدمات، اختارت أورنج المغرب أن تطلق منصة Orange Meet، في خطوة تراهن على تحويل النقاش الرقمي من مستوى العروض العامة إلى مستوى الحاجات اليومية للمقاولات.
المبادرة، التي أطلقتها أورنج المغرب بشراكة مع جمعية مستعملي نظم المعلومات بالمغرب، AUSIM، تقدم نفسها كمنصة مهنية للقرب. هدفها جمع صناع القرار والفاعلين الاقتصاديين والخبراء حول سؤال عملي: كيف تواكب المقاولة المغربية التحول الرقمي دون أن تفقد قدرتها على الإنتاج، والتنافس، وحماية بياناتها؟
اختيار طنجة لم يكن تفصيلا. فالمدينة توجد في قلب دينامية اقتصادية وصناعية تتسارع، ومعها ترتفع الحاجة إلى حلول رقمية مرتبطة بالمصانع، بيئات العمل، الأمن السيبراني، والربط عالي الجودة. لذلك جاءت الدورة الأولى من Orange Meet محمولة بسؤال واضح حول أثر الانتقال الرقمي على تنافسية مقاولات جهة طنجة في أفق 2030.
الاستماع قبل الحلول
تسعى أورنج المغرب، من خلال هذه المنصة، إلى الاقتراب من المقاولات في جهاتها، لا انتظارها داخل المركز. الخطاب المعلن يقوم على فهم الإكراهات التشغيلية أولا، ثم اقتراح حلول تلائم واقع المقاولات، بدل الاكتفاء بتسويق خدمات رقمية جاهزة.
هذا التوجه ظهر في طبيعة الورشات الثلاث التي رافقت اللقاء. الورشة الأولى ركزت على بيئة العمل الحديثة، بما يشمل أدوات التعاون، العمل عن بعد، الاتصالات الموحدة، وتأمين الاستعمالات الرقمية. وهي قضايا لم تعد مرتبطة فقط بالشركات الكبرى، بل أصبحت جزءا من تدبير المقاولات المتوسطة والصغرى التي تبحث عن إنتاجية أعلى وتنظيم أكثر مرونة.
الورشة الثانية ذهبت إلى قلب التحول الصناعي. فقد ناقشت مفهوم المصنع الذكي، مع تركيز خاص على الشبكات الخاصة من الجيل الخامس، 5G، باعتبارها مدخلا لربط المعدات الصناعية والأنظمة التشغيلية والبيانات داخل المواقع الحساسة. كما طرحت تقنيات مثل إنترنت الأشياء الصناعية، التوأم الرقمي، الرؤية الحاسوبية، والحوسبة الطرفية كأدوات لدعم الصيانة التنبؤية وتقليص التوقفات وتحسين السلامة التشغيلية.
أما الورشة الثالثة، فوضعت الأمن السيبراني في صدارة النقاش. فكلما توسعت الرقمنة داخل المقاولات، زادت الحاجة إلى حماية الولوج، التطبيقات، الشبكات، والبيانات. هنا لا يتعلق الأمر فقط بحماية تقنية، بل باستمرارية النشاط والثقة داخل البنية الرقمية للمقاولة.
طنجة كبداية لقافلة وطنية
يمثل لقاء طنجة المرحلة الأولى من قافلة وطنية تعتزم أورنج المغرب وAUSIM تنظيمها في جهات أخرى. الفكرة تقوم على نقل النقاش الرقمي إلى المنظومات الاقتصادية المحلية، بدل حصره في الندوات المركزية أو اللقاءات العامة.
وتبدو هذه المقاربة منسجمة مع طبيعة التحول الرقمي نفسه. فحاجات مقاولة صناعية في طنجة لا تشبه دائما حاجات مقاولة خدماتية في الرباط أو فاعل فلاحي في جهة أخرى. لذلك تراهن Orange Meet على جعل الجهة نقطة انطلاق لفهم الحاجات، لا مجرد فضاء لاستقبال العروض.
ما وراء الحدث
تحاول أورنج المغرب من خلال Orange Meet تثبيت موقعها كشريك للمقاولات، وليس فقط كمزود خدمات اتصالات. هذا التحول ينسجم مع توسع نشاط الفاعلين في مجال الاتصالات نحو الأمن السيبراني، الربط الصناعي، البيانات، والخدمات الرقمية.
وتستند الشركة في هذا التوجه إلى قاعدة واسعة داخل السوق المغربي، إذ تشير معطياتها إلى توفرها على 18,8 مليون زبون، وحوالي 420 نقطة بيع، إضافة إلى تشغيل نحو 1300 مستخدم. كما تضع الشركة مبادراتها الرقمية ضمن تصور أوسع يرتبط بالمسؤولية والفعالية وجودة الشبكات.
لكن الرهان الحقيقي لن يحسمه حجم المنصة ولا عدد اللقاءات. سيقاس الأثر بقدرة هذه المبادرة على إنتاج حلول قابلة للتطبيق داخل المقاولات، خصوصا في جهة مثل طنجة، حيث صار التنافس الصناعي واللوجستي مرتبطا بسرعة التكيف مع التكنولوجيا، وحسن إدارة المخاطر، وجودة البنية الرقمية.
Orange Meet لا تقدم نفسها كحدث عابر. إنها محاولة لوضع الرقمنة في مكانها العملي: داخل المصنع، المكتب، شبكة البيانات، وسلسلة القرار داخل المقاولة.

