بقلم : د. الحسين بن الطيب
ليس جديدا أن تستيقظ بعض المنابر الإعلامية الغربية على نغمة التشكيك كلما خطا المغرب خطوة واثقة في مسار الإصلاح والتحديث.
ومن بين هذه المنابر جريدة لوموند الفرنسية، التي دأبت على نشر مقالات ذات حمولة مغرضة في سنوات مفصلية من تاريخ المملكة: 2009، 2015، 2019، وأخيرا 2025. هذه التواريخ ليست مجرد محطات عابرة، بل هي سنوات مفصلية ارتبطت بتحولات جيوسياسية عالمية كبرى، وبإصلاحات داخلية قادها الملك محمد السادس بحكمة وجرأة.
2009: الأزمة المالية العالمية والبحث عن الاستقرار
في عام 2009، كان العالم يتخبط في تبعات الأزمة المالية العالمية التي هزت كبريات الاقتصادات الغربية. المغرب، على عكس كثير من الدول، أبان عن قدرة على حماية استقراره الاقتصادي والاجتماعي بفضل حكامة رشيدة وإصلاحات بنيوية.
فقد تم في تلك الفترة تعزيز الاستثمارات في البنيات التحتية الكبرى مثل الطرق السيارة والموانئ، وتطوير أوراش كبرى على رأسها ميناء طنجة المتوسط الذي أصبح بوابة استراتيجية بين إفريقيا وأوروبا.
لكن في خضم هذا المسار، خرجت لوموند بمقال يطعن في صورة الاستقرار السياسي المغربي، وكأنها لم تر أن بلدا من الجنوب استطاع أن يجنّب مواطنيه ويلات الانهيارات التي عصفت بالبنوك والشركات في الغرب. كان الهدف واضحا: تقليص وهج النموذج المغربي الذي بدأ يفرض نفسه في محيط إقليمي مضطرب.
2015: الربيع العربي وإصلاحات الدستور
ست سنوات بعد ذلك، وفي سياق ما بعد الربيع العربي، عاد المغرب ليبرهن أنه استثناء حقيقي. ففي الوقت الذي غرقت فيه بلدان عربية عديدة في الفوضى، كان المغرب قد قطع أشواطا مهمة في تنزيل دستور 2011 الذي جاء بإصلاحات عميقة، عززت الحقوق والحريات، ووسعت من صلاحيات البرلمان والحكومة، وأكدت على مركزية المؤسسة الملكية كضامن لوحدة البلاد واستقرارها.
غير أن لوموند لم ترد أن ترى في هذا الدستور إلا نصف الكوب الفارغ. فبدل أن تبرز كيف تمكن المغرب من تحويل موجة احتجاجية عارمة إلى إصلاح مؤسساتي متوافق عليه، ركزت على خطاب التشكيك والتأويلات المغرضة. هنا أيضا، الهدف لم يكن سوى التشويش على دينامية إصلاحية جعلت المغرب نموذجا فريدا في المنطقة.
2019: عودة التوازنات الدولية وصعود إفريقيا
في سنة 2019، كان العالم يعيش تحولات جيوسياسية معقدة: صعود الصين كقوة اقتصادية كبرى، تصاعد التوترات التجارية بين بكين وواشنطن، وانفتاح أوروبا على إفريقيا بحثا عن أسواق جديدة.
المغرب، في هذه اللحظة، كان قد عزز موقعه كبوابة إفريقية، عبر سياسة إفريقية متبصرة قادها الملك محمد السادس، توجت بعودة المملكة إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، وتوسيع شبكة الاستثمارات المغربية في القارة.
لكن وسط هذه النجاحات، عادت لوموند بمقال آخر، هذه المرة للتشكيك في السياسة الخارجية المغربية. هل كان ذلك مجرد صدفة؟ أم أن هناك من انزعج من تحول المغرب إلى شريك استراتيجي مؤثر في القارة، منافس لمصالح تقليدية فرنسية وإسبانية في المنطقة؟ الجواب يكمن في طبيعة الخطاب الإعلامي الذي لا يخفي انزعاجه من استقلالية القرار المغربي.
2025: زمن التحولات الكبرى
نصل إلى سنة 2025. العالم اليوم يعيش ارتباكا غير مسبوق: حرب أوكرانيا لا تزال ترخي بظلالها على الأمن الطاقي والغذائي، التوترات في الشرق الأوسط تتصاعد، وأوروبا تجد نفسها في أزمة قيادة ورؤية.
في المقابل، المغرب يواصل بثبات إصلاحاته: من تعميم الحماية الاجتماعية والصحية على ملايين المواطنين، إلى إطلاق مشاريع الطاقات المتجددة العملاقة، وتوسيع شبكة الموانئ والطرق، مرورا بالاستثمارات الضخمة في الصناعات السيادية مثل السيارات والطائرات.
في هذا السياق، خصصت لوموند مقالا جديدا مليئا بالإشارات المبطنة إلى نهاية عهد أو غموض في الأفق السياسي المغربي. مرة أخرى، نفس السيناريو: كلما تقدم المغرب خطوة في الإصلاح، يظهر مقال للتشكيك في العرش وفي مستقبل المؤسسات.
الثابت والمتغير
الثابت في هذه الحملة الإعلامية هو استهداف المؤسسة الملكية باعتبارها قلب النموذج المغربي. أما المتغير فهو السياق: كل مرة يستحضر خطاب مختلف، لكن الهدف واحد، عرقلة مسار بلد يعرف كيف يوازن بين الإصلاح والاستقرار.
المفارقة أن هذه الحملات تأتي بنتائج عكسية: بدل أن تحدث شرخا بين الشعب ومؤسساته، تزيد المغاربة تشبثا بملكهم، لأنهم يدركون بالفطرة أن الهجوم الخارجي غالبا ما يخفي نجاحا داخليا. فمنذ عقود، والملكية المغربية أثبتت أنها ليست مجرد مؤسسة حكم، بل هي رمز وحدة وهوية، ورافعة تحديث وانفتاح.
الإعلام بين المصداقية والوصاية
لا يمكن إنكار أن الصحافة لها الحق في النقد والتحليل. لكن عندما يتحول النقد إلى خطاب موجه يتكرر بنفس الإيقاع، وفي نفس المنابر، يصبح السؤال مشروعا: هل نحن أمام صحافة مهنية، أم أمام أجندات توظف الإعلام لتمرير رسائل سياسية؟
المغرب، وهو يدافع عن مساره، لا يبحث عن شهادات اعتراف من الخارج. إن قوة الدول تقاس بقدرتها على حماية استقلال قرارها السياسي، وبمقدار تلاحم شعبها مع مؤسساتها.
وهذا بالضبط ما يقلق الكثيرين: أن المغرب، بفضل قيادته وإصلاحاته، أصبح رقما صعبا في المعادلة الإقليمية والدولية.
الخلاصة
من 2009 إلى 2025، تكرر نفس السيناريو: كلما دخل المغرب مرحلة إصلاح أو توسع في نفوذه الدولي، خرجت لوموند بمقال يثير الشكوك. لكن ما لم تفهمه هذه المنابر هو أن المغرب ليس مجرد عناوين عابرة في الصحف، بل هو أمة عريقة تبني مستقبلها بقيادة ملكها، وبإرادة شعبها.
قد يكتبون ما يشاؤون، وقد يحاولون صناعة نهاية متخيلة، لكن الحقيقة أقوى: المغرب مستمر، ملكه في صميم مشروعه، وشعبه أكثر وعيا وتمسكا بمؤسساته. أما المقالات المغرضة، فمصيرها أن تتحول إلى أوراق صفراء في أرشيف، لا تذكر إلا كأمثلة على تهافت الأقلام أمام ثبات الدول.

