في التاسع من يونيو 2021، وقبل نحو ثلاثة أشهر من الانتخابات التشريعية التي قادت التجمع الوطني للأحرار إلى رئاسة الحكومة المغربية، اختار القيادي في الحزب رشيد الطالبي العلمي طريقة غير مألوفة للدفاع عن برنامجه.
وأكد حينها أن وعود حزبه أرقام قابلة للتحقق، موردا بالدارجة المغربية: “غنعطيو 2500 درهم زيادة للمواطن المغربي وإلى ماشدهاش يجري علينا بالحجر”.
وبعد خمس سنوات، عاد منطق “الحساب” إلى الواجهة في توقيت سياسي دقيق، إثر ظهور تسجيل متداول منسوب للطالبي العلمي، يستبعد فيه وصول فوزي لقجع إلى وزارة الاقتصاد والمالية بعد تشريعيات 23 شتنبر، حاسما المنصب لصالح الوزيرة الحالية بالقول: “وزارة المالية عندها مولاتها هي نادية فتاح”.
وبين الالتزام بزيادة الأجور في 2021، والحسم الاستباقي للحقائب في 2026، تنقضي ولاية حكومية كاملة يقودها “الأحرار”، تفرض الاحتكام إلى ميزان الوعود والنتائج. فالطالبي العلمي وضع أداة المحاسبة في يد الناخب، والحزب قدم برنامجه كعرض مرقم يخضع للقياس.
دفتر 2021
ولم يقتصر عرض “الأحرار” الانتخابي على وعد الـ2500 درهم، الذي أوضح الطالبي العلمي لاحقاً أنه استهدف أساتذة بداية المسار، بل قدم 25 إجراءً، انتقل جزء منها إلى البرنامج الحكومي بصيغة ملزمة.
وشملت هذه الالتزامات إحداث مليون منصب شغل صافٍ على الأقل، ورفع معدل نشاط النساء إلى أكثر من 30 في المائة، وحماية الطبقة الوسطى.
وبعد أربع سنوات من القياس وفق السلسلة الإحصائية للمندوبية السامية للتخطيط، تظهر فجوات واضحة في سوق الشغل.
فقد خسر الاقتصاد الوطني 24 ألف منصب في 2022، و157 ألفاً في 2023، متأثرا بخسائر القطاع الفلاحي بفعل الجفاف.
ورغم إحداث 82 ألف منصب في 2024 و193 ألفاً في 2025، تظل الحصيلة الإجمالية متباينة مع الوعود.
وفي مواجهة هذه المعطيات، تقدم الحكومة حصيلة تبلغ 850 ألف منصب مستحدث في “القطاعات غير الفلاحية” بين 2021 و2025. غير أن هذا الدفاع يترك سؤالاً محاسبياً قائما، كون الالتزام البرلماني نص على إحداث مليون منصب “صاف”، وليس حصراً في القطاعات غير الفلاحية. وهو تساؤل يزداد ثقلا بعد تصريح رئيس الحكومة عزيز أخنوش، منتصف غشت الجاري، بأن الحصيلة المرتقبة بنهاية 2026 ستتراوح بين 900 و950 ألف منصب.
ويمتد التباين إلى تشغيل النساء، إذ أنهت سنة 2025 بمعدل نشاط لا يتجاوز 19 في المائة (مقابل 30 في المائة كهدف حكومي)، مع تسجيل بطالة بلغت 20.5 في المائة بين النساء، و37.2 في المائة بين الشباب من 15 إلى 24 سنة.
وعلى مستوى القدرة الشرائية، تعرضت الطبقة الوسطى لضغوط تضخمية بلغت 6.6 في المائة سنة 2022، مع ارتفاع أسعار الغذاء بـ11 في المائة.
وخلص آخر بحث بنيوي للمندوبية السامية للتخطيط إلى تراجع مستوى معيشة الفئة الاجتماعية المتوسطة بـ4.3 في المائة بين 2019 و2022. ورغم تحسن المؤشرات لاحقاً بـ1.8 نقطة في 2023 و5.1 نقاط في 2024، إلا أن انحسار التضخم لا يعني عودة الأسعار إلى مستويات 2021، ما يكشف حجم التحدي الذي واجه تعهدات حماية هذه الفئة.
ما يفديهم؟
في الجهة المقابلة من الميزان، يمتلك التجمعيون أرقاماً تمنع تحويل الحصيلة إلى لائحة إخفاقات شاملة.
ففي قطاع التعليم، أقرت الحكومة زيادة عامة صافية قدرها 1500 درهم شهرياً لـ330 ألف موظف، مع إدماج 115 ألف عامل في الوظيفة العمومية. وهي معطيات تتيح للطالبي العلمي الدفاع عن جوهر وعده الانتخابي، وإن بقيت صيغته الأصلية المتداولة أوسع من التبرير اللاحق.
وفي الصحة، تحقق وعد التمويل ببلوغ اعتمادات الوزارة 42.4 مليار درهم في 2026، بزيادة تقارب 9.8 مليارات عن 2025. غير أن مضاعفة الميزانية تصطدم بتقارير مجلس الحسابات، التي سجلت استحواذ القطاع الخاص في 2024 على نحو 91 في المائة من نفقات التأمين الإجباري عن المرض، مقابل 9 في المائة فقط للمؤسسات العمومية، ما يفرض على التجمعيين تفسير ضعف جاذبية العرض الصحي العمومي رغم ضخ الأموال.
وتشكل برامج الدعم الاجتماعي ورقة إضافية في الحصيلة، بوصولها في 2025 إلى 3.9 ملايين أسرة (بمساعدات بين 500 و1350 درهماً). ورغم الاختلافات بين البرنامج المنفذ بتوجيهات ملكية، وبين العرض الحزبي الأولي المعروف بـ”مدخول الكرامة”، تسجل الحكومة لصالحها سرعة التنزيل وتدبير آليات الاستهداف والتمويل. يُضاف إلى ذلك تمويل كلفة الحوار الاجتماعي المرتقب أن تبلغ 49.7 مليار درهم، ومراجعة الضريبة على الدخل بمتوسط زيادة قدر بـ400 درهم.
مقام المالية
عند هذه النقطة، يصبح تأمين مقام “لالة نادية” متصلاً بحصيلة حقيبة مركزية في هذه الخيارات. فالوزيرة تستند إلى مؤشرات ماكرو-اقتصادية تنهي 2025 بعجز مالي في حدود 3.5 في المائة، واستقرار للمديونية عند 67.2 في المائة، مع مداخيل جبائية بلغت 342 مليار درهم.
وتتيح هذه الأرقام، إلى جانب استمرار تنزيل الإصلاح الجبائي وتمويل الدعم الاجتماعي، عناصر دفاع قوية للحزب للتمسك بحقيبة المالية. غير أن الوزارة كانت معنية أيضاً بتمويل وعود التشغيل وحماية الطبقة الوسطى. ومن ثم، لا تكفي استقامة دفتر الخزينة وحده لطي التقييم الشامل، طالما أن جزءاً من دفتر الوعود لا يزال مفتوحا.
قبل خمس سنوات، وضع الطالبي العلمي “الحجر” في قاموس العلاقة مع الناخب. واليوم، يبدو من تصريحاته أن حساب وزارة المالية قد سبق حساب الصناديق.
أما مسألة جمع التجمعيين لما يكفي لافتداء أنفسهم من وعود 2021، فتبقى حسابا آخر لم يغلق بعد، وموعده الأقرب هو صناديق 23 شتنبر، وليس اجتماعات المكتب السياسي.

