في لحظة من اكثر اللحظات حساسية في العلاقة بين الدولة والمجتمع، خرج آلاف الشباب المغاربة في مدن متفرقة، ضمن موجة غير مؤطرة، محملة بمطالب اجتماعية اساسية: تعليم متكافئ، رعاية صحية لائقة، وعدالة في توزيع الفرص.
لم يسبق ان كانت هذه المطالب محل جدل، لا في الخطاب الرسمي ولا في النقاش العمومي. ومع ذلك، كانت المؤسسة الامنية هي الطرف الوحيد الذي نزل الى الميدان.
ما يميز هذا الحراك انه لا يخضع للمسارات الكلاسيكية، لا من حيث التنظيم، ولا من حيث التعبئة، ولا من حيث اللغة. جيل مختلف يتحرك، لا يحمل مطالب فوق طاقته، بل يطرح الاسئلة التي اخرتها الدولة لعقود. يفعل ذلك بدون وساطة حزبية، وبدون واجهة نقابية، في وقت يفترض ان تكون فيه هذه الوسائط حاضرة لاستيعاب التحولات الاجتماعية لا لمراقبتها من بعيد.
لكن ما حصل هو العكس: صمت سياسي عام، وتخل مؤسساتي شبه تام. الحكومة لم تصدر اي موقف يواكب دينامية الشارع. المنتخبون، لم يظهر لهم اثر. الاحزاب والنقابات وقفت عند عتبة الترقب، دون اجتهاد في الوساطة او التأطير او حتى الانصات. وهكذا وجدت الدولة نفسها ممثلة على الارض بجهاز واحد: الامن.
لا احد يجادل في ان وظيفة المؤسسة الامنية هي ضمان النظام العام وحماية الممتلكات والارواح. لكن تحميلها وحدها عبء مواجهة الشارع، في غياب تغطية سياسية ومؤسساتية، هو انحراف صريح عن منطق الدولة الحديثة.
المطالب التي يرفعها المحتجون ليست امنية بطبيعتها، بل اجتماعية واقتصادية وتنموية. الرد عليها يجب ان يأتي من الجهات المختصة، لا من بدلة رسمية تمثل النظام العام دون ان تنتج السياسات العمومية.
الخطير في هذا الوضع ان الامن يزج به في موقع لا يفترض ان يكون فيه. لا هو من يضع اسعار المواد الاساسية، ولا من يشرف على ميزانية التعليم، ولا من يقر برامج الشغل. ومع ذلك، يدفع الى الصف الاول، ويصبح الواجهة الوحيدة لدولة قررت، مؤقتا او عن عجز، ان تدار بالصمت.
ما يجب ان يقال بصراحة: ترك المؤسسة الامنية وحيدة في مواجهة عاصفة اجتماعية صاعدة ليس فقط خطأ سياسيا، بل ايضا مخاطرة مجتمعية عالية الكلفة. ذلك ان هذا الخيار يضعف ثقة المواطن في ادوات الوساطة، ويحول العلاقة بين المجتمع والدولة الى علاقة امنية صرفة، حيث تختفي السياسة، ويختزل الصراع في الشارع.
ثم ان الامنيين انفسهم، بما يمثلونه، ليسوا خارج هذا الوطن. هم ابناء هذا المجتمع، من طبقاته المتوسطة او الهشة، يعيشون نفس الضغوط التي يعبر عنها الحراك. بل ان كثيرا منهم ينتمون، من حيث السن والهم والتكوين الاجتماعي، الى نفس الجيل الذي يتحرك الان في الشارع. يلبسون البدلة الرسمية، نعم، لكن خلفها نفس القلق الصامت الذي يحمله أقرانهم في الجهة المقابلة.
جيل Z الذي يتحرك اليوم في الشارع لا ينتظر معجزة، بل يريد ان يؤخذ على محمل الجد. ان يعامل كطرف كامل المواطنة، لا كتهديد يجب تطويقه. وهو لا يطالب باسقاط المؤسسات، بل باصلاحها لتكون جديرة بالثقة. في المقابل، ما زال الفاعل السياسي يتأخر عن موعده مع الواقع، مفسحا المجال للفراغ، ثم محملا الامن مسؤولية ادارة الغضب.
هذا ليس عدلا لا في التقدير، ولا في التوزيع المؤسساتي للادوار.
ان اخراج البلاد من هذا المنعرج لا يتطلب اجراءات استثنائية، بل فقط استعادة الدولة لادواتها الدستورية في الوساطة والتأطير والتفاعل. المسؤولية السياسية لا تفوض، ولا تؤجل، ولا تغلف بالصمت. اما الهراوة، فان اقصى ما يمكن ان تفعله هو تأجيل السؤال الى اجل قريب.
العاصفة قد تهدأ، لكنها لن تزول ما دامت اسبابها قائمة. والامن، وحده، لا يملك جوابا عنها.


