محمد مونشيح
أحدثت أحداث سبتة (30 يوليوز 2026)، التي أسفرت عن وفاة أكثر من عشرات الأشخاص على التراب الإسباني، مأزقًا غير مسبوق في العلاقات المغربية الإسبانية. فوجود الضحايا داخل الحدود الإسبانية منح القضاء الإسباني اختصاصًا مباشرًا وفتح الباب أمام دعاوى جنائية يصعب احتواؤها عبر المساطر الدبلوماسية التقليدية. وفي المقابل، تعتبر الرباط أن أي مساس بمسؤوليها يمس الخطوط الحمراء للسيادة الوطنية.
أمام هذا التصادم البنيوي بين المنطق الإجرائي الجنائي الصلب والمنطق السيادي المحافظ، تجد العلاقات الاستراتيجية نفسها أمام ضرورة التفكير في سيناريوهات عملية لتفادي الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، مع استحضار آليات التدبير العقلاني للأزمات (Crisis Management) وإدراك الحدود القانونية والسياسية لما هو ممكن وما هو مستبعد.
أولًا: إعادة توصيف الحادث من المحاكمة الجنائية إلى السياسات العامة
تكمن الخطوة الأولى في تغيير زاوية النظر للملف عبر إعادة صياغته من إخفاق أمني أو تقصير جنائي أحادي إلى أزمة إنسانية ومشتركة مرتبطة بالسياسات العامة والهجرة الجماعية.
1. عناصر إعادة التوصيف:
الاعتراف بالطابع الإنساني: اعتبار أن مأساة سبتة نتجت عن ضغوط الهجرة الجماعية وظروفها المعقدة، لا عن قرار سياسي أو أمني متعمد.
تحويل الملف إلى قضية سياسات عامة: التركيز على أن الأزمة تكشف عن هشاشة هيكلية في إدارة الحدود تتطلب إصلاحًا مؤسساتيًا لا ملاحقات جنائية فردية.
إشراك أطراف متعددة: إدخال الاتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية كأطراف ضامنة، لتأكيد توزيع المسؤولية وعدم حصرها في طرف واحد.
إعادة صياغة الخطاب الإعلامي: تقديم الرواية الرسمية باعتبارها مواجهة لأزمة إنسانية عابرة للحدود، وليس صراعًا قضائيًا بين دولتين.
المسار التعويضي الإنساني: إنشاء صندوق لتعويض أسر الضحايا، مما يعكس التزامًا أخلاقيًا ويحوّل النقاش من منطق الاتهام الجنائي إلى منطق المسؤولية التضامنية.
2. الأثر المتوقع والتحديات الواقعية:
الأثر: يخفف الضغط المباشر عن المغرب، ويمنح إسبانيا مخرجًا سياسيًا يحفظ استقلالية قضائها دون تدمير الشراكة الاستراتيجية.
التحدي النقدي: يظل التحدي المباشر أمام هذا التوصيف هو صلابة آلية الادعاء الشعبي (Acción Popular) المضمونة دستوريًا في إسبانيا؛ حيث إن تحريك الشكايات من طرف جمعيات غير حكومية أمام المحكمة الوطنية لا يتوقف مجرد تغيير الخطاب السياسي أو التنفيذي، مما يتطلب موازنة دقيقة بين إدارة الأزمة سياسيًا والتعامل مع المساطر الجنائية الجارية.
ثانيًا: لجان التحقيق الثنائية أو الثلاثية – تحويل الصراع إلى تعاون مؤسساتي
يعد إنشاء لجان تحقيق مشتركة خيارًا عمليًا لنقل الملف من مربع المواجهة القضائية الأحادية إلى مربع التعاون الجماعي.
1. ملامح هذا السيناريو:
اللجنة الثنائية: تعمل بين المغرب وإسبانيا لجمع الأدلة، تحديد المسؤوليات الميدانية، وصياغة تقرير مشترك يعكس الجدية في التعامل مع المأساة.
اللجنة الثلاثية: إشراك الاتحاد الأوروبي كطرف ثالث ضامن لإضفاء شرعية أوسع وتخفيف الضغط الدبلوماسي المباشر بين الرباط ومدريد.
الربط بالتوصيات: تحويل نتائج التحقيق إلى برامج عملية لإصلاح إدارة الحدود والتنسيق الأمني.
2. المزايا والتحديات الإجرائية:
المزايا: يوزع العبء المؤسساتي، ويظهر المغرب كفاعل مسؤول ومتعاون، ويوفر للطبقة السياسية الإسبانية مساحة للتفاوض.
التحديات: قد تواجه هذه اللجان برفض من القوى السياسية الإسبانية المعارضة كاليمين أو اليسار الراديكالي أو الهيئات الحقوقية التي قد تفسر اللجان المشتركة كمحاولة للالتفاف على العدالة القضائية؛ فضلًا عن بطء الإجراءات التحقيقية المشتركة وطول أمدها.
ثالثًا: إشراك خبراء مستقلين – إضفاء الشفافية والموضوعية
يعتبر إشراك الخبراء المستقلين خطوة حاسمة لتجريد الملف من التوظيف السياسوي والإعلامي، وتوفير غطاء علمي وقانوني للنتائج.
1. ملامح الخيار:
الخبرة القانونية والدولية: الاستعانة بمتخصصين في القانون الدولي والإنساني لتقييم حدود الاختصاص والولائي القضائي وتقديم دفوع متوازنة.
الخبرة الحقوقية والتقنية: إشراك منظمات غير حكومية موثوقة وخبراء في إدارة الحدود لتفكيك الإكراهات الميدانية والتقنية التي رافقت الحادث.
إصدار التقارير المحايدة: عرض القراءات التقنية على الرأي العام لتقليل الاحتقان الإعلامي.
2. المزايا والتحديات:
المزايا: يرفع مصداقية نتائج التحقيق، ويوفر غطاءً موضوعيًا يخفف الضغط عن المسؤولين، ويحوّل الأزمة إلى مادة لإصلاح السياسات.
التحديات: صعوبة التوفيق بين متطلبات الشفافية وتأمين معطيات السيادة الوطنية، إضافة إلى خطر استغلال بعض الأطراف السياسية لأي جزئية في تقارير الخبراء لتعميق السجال الداخلي.
رابعًا: التقارير الدورية – إدارة الشفافية وبناء الثقة
تشكل التقارير المرحلية أداة محورية لإدارة الوقت السياسي والإعلامي أثناء جريان التحقيقات، بما يمنع الشائعات والتأويلات الأحادية.
1. ملامح الخيار:
النشر المرحلي: إصدار تقارير كل ثلاثة أو ستة أشهر توضح تقدم التحقيقات والنتائج الأولية.
الشفافية المتوازنة: تقديم ملخصات علنية للرأي العام مع الحفاظ على سرية المعطيات الأمنية الحساسة.
إبراز المسارات التنموية: التأكيد المستمر على أن الملف لا يقتصر على البعد الجنائي بل يشمل أبعادًا تنموية وإنسانية.
2. المزايا والتحديات:
المزايا: تمنح الرأي العام انطباعًا بالمتابعة الجدية، وتخفف حدة التوتر، وتمنع احتكار جهة واحدة للرواية الرسمية.
التحديات: التوازن الدقيق بين ما يمكن النشر عنه وما يجب التحفظ عليه، والمخاطرة بتأويل التقارير المرحلية سياسيًا من طرف وسائل الإعلام أو الأحزاب قبل اكتمال التحقيق.
خامسًا: الربط بالإصلاحات الهيكلية – المدخل الأكثر استدامة
يمثل الربط بالإصلاحات الخيار الاستراتيجي الأهم، لأنه ينقل الأزمة من مجرد حادث استثنائي يدار أمنيًا وقضائيًا إلى نقطة تحول لإعادة هيكلة سياسات الهجرة والحدود.
1. عناصر الربط بالإصلاحات:
تحديث إدارة الحدود: تطوير البنية التحتية الحدودية واعتماد بروتوكولات جديدة للتنسيق الميداني المباشر.
المقاربة الشاملة للهجرة: إدماج الأبعاد التنموية والإنسانية والشراكة مع دول المنشأ، وعدم الاقتصار على الحل الأمني.
الدعم الأوروبي الهيكلي: جعل الاتحاد الأوروبي ممولًا وضامنًا للبرامج الجديدة لإدارة الحدود.
تطوير أطر التعاون القضائي: التفاوض مستقبلًا على أطر وتفاهمات تحدد بوضوح آليات التعامل مع القضايا العابرة للحدود لتفادي الانزلاقات القضائية المتكررة.
2. المزايا والتحديات:
المزايا: يحول المأساة إلى نقطة انطلاق لبناء مؤسساتي مستدام، ويمنح الطرفين سلم خروج يحفظ ماء الوجه السياسي، ويقدم بدائل عملية تعالج جذور المشكلة.
التحديات: التكلفة المالية العالية التي تتطلب التزامًا أوروبيًا طويل الأمد، والمدى الزمني الذي تستغرقه الإصلاحات الهيكلية مقارنة بالضغط القضائي والإعلامي المستعجل.
الخلاصة التركيبية
إن التعامل مع أزمة بحجم مأساة سبتة يتطلب مزاوجة حذرة بين الواقعية السياسية والعدالة الإجرائية. وإذا كان المنطق الجنائي الإسباني الصارم يحاول فرض ملاحقات عبر الادعاء الشعبي، فإن التناول السياسي الحكيم يفرض نقل الملف تدريجيًا نحو المسؤولية المشتركة، والتحقيق الجماعي، والربط بالإصلاحات السياساتية الهيكلية.
إن تحويل المأساة من مساحة المحاكمة الجنائية الأحادية إلى مساحة الإصلاح الشامل والتعاون المؤسساتي هو الطريق الوحيد لتفادي صدام سيادي مفتوح، وضمان استقرار الشراكة الاستراتيجية الإقليمية على أرضية أكثر صلابة ومسؤولية.

