قبل نحو عام ونصف من موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 2026، تشهد الساحة السياسية المغربية دينامية تبدو للوهلة الأولى حيوية، لكنها لا تخلو من دلالات تكتيكية تتكرر عند اقتراب كل استحقاق انتخابي.
فقد تكثفت المبادرات الحزبية وتحركات الهيئات ذات الامتداد السياسي، في مشهد يعكس محاولات متجددة لاستعادة ثقة ناخبين باتوا أكثر تشككا في جدوى الفعل الحزبي، خاصة في ظل ما يعتبره كثيرون غيابا مستمرا لهذه الأحزاب عن قضايا المواطن الحقيقية خارج الدورات الانتخابية.
فبين مبادرات ذات طابع اجتماعي ولقاءات تواصلية مكثفة، يحاول الفاعلون السياسيون إعادة التموضع داخل المشهد العام، غير أن هذه التحركات تطرح تساؤلات حول مدى جديتها ونجاعتها.
إذ غالبًا ما تتخذ مثل هذه المبادرات طابعا ظرفيا، حيث تشهد الأحزاب موجات من النشاط المكثف، لا تلبث أن تخبو فور انتهاء الانتخابات، ما يعزز حالة من الريبة لدى المواطن المغربي تجاه هذه الفورة المفاجئة في العمل السياسي.
وفي هذا السياق، أطلق حزب الاستقلال مبادرة “2025 سنة التطوع”، التي يتم الترويج لها باعتبارها مشروعا لتعزيز ثقافة العمل التطوعي، إلا أن توقيت إطلاقها يثير شكوكا حول أبعادها الحقيقية.
فبينما يعاني المشهد السياسي المغربي من أزمة ثقة عميقة، تبدو مثل هذه المبادرات وكأنها محاولة لتلميع الصورة أكثر من كونها توجهًا استراتيجيًا طويل الأمد.
ويرى مراقبون أن الحزب، الذي يواجه تحديات داخل الأغلبية الحكومية، يسعى عبر هذه الخطوة إلى إعادة تموقعه، تحسبا لأي إعادة تشكيل محتملة للتحالفات قبيل الانتخابات.
وبالمثل، أطلقت شبيبة حزب الأصالة والمعاصرة مبادرة “جيل 2030″، بشعار يختزل رهانات الشباب بين “الكرامة والأمل”.
غير أن التساؤل الذي يفرض نفسه هو: إلى أي مدى يمكن لهذه المبادرة أن تؤثر في فئة طالما ظلت بعيدة عن العمل الحزبي بسبب غياب سياسات تستجيب فعليا لانشغالاتها؟ فالحزب، رغم وجوده في الحكومة، لم يقدم مقترحات واضحة أو إجراءات عملية يمكن أن تشكل أرضية صلبة لخطابه الموجه للشباب، ما يجعل هذه المبادرة في نظر البعض مجرد محاولة لمخاطبة شريحة ناخبة دون ضمانات حقيقية لتغيير أوضاعها.
أما حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقود الحكومة، فيواصل استغلال امتداداته الجمعوية، وعلى رأسها جمعية “جود”، في تحركات ذات طابع اجتماعي-انتخابي، حيث تستهدف فئات هشة عبر مشاريع توصف بـ”التنموية”، لكنها لا تنفصل عن الحسابات السياسية.
فبينما يواجه الحزب تحديات ناتجة عن تدبيره الحكومي، يسعى عبر هذه الأنشطة إلى الحفاظ على قاعدة انتخابية باتت أكثر عرضة للتململ، خصوصًا مع تصاعد التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تضعف شعبية أي حكومة خلال ولايتها.
وبينما تكثف الأحزاب الأخرى لقاءاتها المفتوحة وورشاتها التكوينية، يبقى السؤال الأهم هو: هل يكفي هذا النشاط الموسمي لتغيير قناعات الناخبين؟ فرغم الوعي المتزايد لدى الفاعلين السياسيين بأن الاستعداد للانتخابات يجب أن يكون عملية مستمرة، إلا أن الممارسة على الأرض تثبت أن هذه الحيوية تظل مشروطة بالاستحقاقات الانتخابية، ما يجعلها فاقدة للقدرة على إحداث تحول جوهري في مشهد سياسي يطغى عليه التوجس الشعبي من جدوى الفعل الحزبي.
ومع استمرار هذا الحراك، تظل نسب المشاركة الانتخابية والتفاعل الشعبي مع هذه المبادرات عوامل رئيسية ستكشف في المستقبل القريب مدى تأثير هذه الاستراتيجيات على المشهد السياسي المغربي، في ظل تحولات اجتماعية واقتصادية تفرض تحديات إضافية على الأحزاب السياسية في استعادة ثقة الناخبين.

