وطن 24
لم تعد التهديدات الموجهة ضد حرية الصحافة تقتصر على الأنظمة القمعية والاعتقالات، بل امتدت لتشمل “عمالقة التكنولوجيا”. منظمة “مراسلون بلا حدود” تحذر من الخطر الاقتصادي الذي تشكله شركات كبرى مثل غوغل وميتا على استقلالية الإعلام وتمويله.
بمناسبة اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، الموافق للاثنين (الثاني من نونبر 2026)، أصدرت منظمة “مراسلون بلا حدود” قائمتها الجديدة للجهات المناهضة لحرية الصحافة، والتي حملت هذا العام تحولاً لافتاً بانضمام كبرى شركات التكنولوجيا إليها.
وأدرجت المنظمة شركتي “ألفابت” (الشركة الأم لغوغل ويوتيوب) و”ميتا” (الشركة الأم لفيسبوك وإنستغرام) ضمن قائمة تضم 33 شخصية ومؤسسة تصنفها كـ “مفترسة لحرية الصحافة”.
وتواجه هذه الجهات اتهامات باستهداف الإعلام المستقل عبر وسائل متعددة، شملت إلى جانب الملاحقات والعنف، ضغوطاً مالية خانقة.
الإعلانات الرقمية والذكاء الاصطناعي.. أسلحة اقتصادية
وصنفت “مراسلون بلا حدود” الشركتين الأمريكيتين ضمن فئة “المفترسين الاقتصاديين”، معتبرة أن هيمنتهما على سوق الإعلانات الرقمية وتحكمهما في وصول الجمهور إلى الأخبار، تقوضان قدرة المؤسسات الإعلامية على الاستمرار.
وبحسب بيانات المركز العالمي لأبحاث الإعلانات “وارك”، تستحوذ ألفابت وميتا، إلى جانب أمازون، على نحو 59.7% من الإنفاق الإعلاني العالمي خارج الصين لعام 2026، بما يعادل 659.6 مليار دولار، في تناقض صارخ مع تراجع حصة الصحافة المنتجة للمحتوى.
علاوة على ذلك، حذرت المنظمة من تداعيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، مشيرة إلى أن “الملخصات الآلية” التي يقدمها محرك غوغل تقلص معدلات النقر لزيارة المواقع الإخبارية الأصلية بنسبة تصل إلى 58% (وفقاً لدراسة لشركة “أهريفس” مطلع 2026)، ما يحرم الصحافة من عائدات حيوية لتمويل عملها. وفي سياق متصل، واجهت “ميتا” انتقادات لمحاولاتها جمع محتوى المواقع الإعلامية لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، قبل أن ترجئ تنفيذ هذه الشروط تحت وطأة الاعتراضات العلنية.
ماسك وترامب.. أسماء بارزة في القائمة
ولم تقتصر القائمة على عمالقة الإعلانات، بل شملت أيضاً الملياردير الأمريكي إيلون ماسك، مالك منصة “إكس”، بتهمة المساهمة في تشويه صورة الصحافة ونشر انعدام الثقة في الصحفيين. كما أُدرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في القائمة، حيث اتهمته المنظمة بتكثيف الضغوط السياسية والإدارية على الإعلام خلال ولايته الثانية، مشيرة إلى تراجع الولايات المتحدة إلى المرتبة 64 عالمياً في مؤشر حرية الصحافة.
وضمت القائمة كذلك أسماء مألوفة، مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والقوات الإسرائيلية، والحزب الشيوعي الصيني. غير أن المنظمة شددت على الاختلاف في طبيعة الانتهاكات؛ فالضغوط الاقتصادية للشركات الرقمية تختلف عن العنف الجسدي أو الاعتقالات، لكنهما يؤديان في النهاية إلى النتيجة ذاتها: إضعاف الصحافة المستقلة.
دعوات عاجلة لإصلاح سوق الإعلانات
وفي مواجهة هذا الواقع الذي تصبح فيه حرية الصحافة مرتهنة للخوارزميات، دعت المنظمة الحكومات إلى التدخل لإصلاح سوق الإعلانات الرقمية وفرض قواعد الشفافية.
وتشمل مقترحاتها توجيه جزء من الإنفاق الإعلاني نحو المؤسسات الإخبارية المهنية، وتقديم حوافز للمعلنين الداعمين لصحافة المصلحة العامة.
من جانبه، صرح المدير العام لـ “مراسلون بلا حدود”، تيبو بروتان، بأن تحديد الجهات المسؤولة عن إضعاف الصحافة يمثل “خطوة ضرورية لمنع تحول الاعتداءات عليها إلى ممارسات اعتيادية، سواء اتخذت شكل العنف أو التضييق القانوني أو الضغط الاقتصادي”. بات الحفاظ على الاستقلال التحريري اليوم يتطلب توفير شروط اقتصادية عادلة في سوق تحكمه المنصات التكنولوجية.

