الدكتور محمد مونشيح
كلما تأملتُ في طبيعة العلاقة بين السلطة المركزية والمجال القروي والحضري بالمغرب، يزداد يقيني بأن التوازنات الانتخابية لم تكن يوما مجرد انعكاس ميكانيكي لآراء الناخبين في صناديق الاقتراع، بل هي دائما نتاج هندسة متجددة لتقنيات الضبط والاحتواء.
وما أثار انتباهي حقيقة هو المسافة الزمانية والمفاهيمية التي تفصل بين أطروحة الباحث الفرنسي ريمي لوفو (Rémy Leveau) الشهيرة “الفلاح المغربي المدافع عن العرش” (1976)، والقراءة المعاصرة للباحث محمد الناجي (2026) تحت عنوان “القرية ما زالت تحكم المغرب”؛ إذ إن وضع هاتين المقاربتين جنبا إلى جنب يكشف عن تحول بنيوي عميق: لم يعد الرهان على الهامش القروي خيارا إستراتيجيا تأسيسيا كما كان عهد لوفو، بل أضحى انكفاء اضطراريا وانصياعا إجرائيا أمام استعصاء المدينة وتراجع قدرة الأدوات التقليدية على ضبطها.
ففي أعقاب الاستقلال، واجه النظام السياسي تحدي بناء مشروعية الدولة في مواجهة نخب حضرية متمرسة من الحركة الوطنية والأحزاب اليسارية والنقابات، وهي نخب كانت تتطلع لتأطير المدينة وتوجيهها نحو ملكية برلمانية أو تقاسم جذري للسلطة. وهنا، رصد لوفو تشكّل إستراتيجية واعية ارتكزت على التحالف مع كبار الملاكين وشيوخ القبائل لبناء “كتلة ناخبة محافظة” توظف الثقل الديمغرافي للقرية آنذاك. كان “الفلاح” يمثل صمام أمان وبديلاً سوسيولوجيا وثقافيا يربط الولاء بملكيات الأرض والمكانة الاجتماعية داخل القبيلة، ليصبح الاعتماد على الريف مشروعا تأسيسيا صريحا لبناء الدولة الفتية.
لكن، لو نظرنا إلى واقعنا الراهن، سنرى كيف أدت العقود المتلاحقة إلى تفكك هذا السند التقليدي. فالقبيلة تراجع دورها البنيوي بفعل الهجرة المتزايدة وتفتيت الملكية الفلاحية وسياسات التحديث المادي، مما أضعف القوة الرمزية للأعيان. وفي المقابل، أضحت المدن المغربية فضاءات بالغة التعقيد تشهد بروز الفاعل الشبكي وغير الممركز؛ حيث أدى ارتفاع التعليم والسيولة المعلوماتية إلى نشوء سلوكيات انتخابية غير متوقعة تتأرجح بين التصويت العقابي والتعبير الاحتجاجي المباشر أو العزوف المنظم. ولم تعد تقنيات الضبط الرأسية قادرة على تدجين الشارع الحضري بنفس السلاسة، مما جعل الانتخابات بالمدن تنطوي على مخاطر سياسية متزايدة.
وهنا يكمن الجوهر في قراءة محمد الناجي مع المقاربة التحليلية “حين يمسك الميت بالحي”؛ إذ يسجل استمرار تفوق نتائج الهامش والقروي على نتائج المدن كـ”انتصار للمغرب العتيق على المغرب الحديث”. غير أن التركيب السوسيولوجي يتجاوز هذا الظاهر ليكشف التحول في طبيعة الضبط نفسه:
ففي أعقاب الاستقلال، واجه النظام السياسي تحدي بناء مشروعية الدولة في مواجهة نخب حضرية متمرسة من الحركة الوطنية والأحزاب اليسارية والنقابات، وهي نخب كانت تتطلع لتأطير المدينة وتوجيهها نحو ملكية برلمانية أو تقاسم جذري للسلطة. وهنا، رصد لوفو تشكّل إستراتيجية واعية ارتكزت على التحالف مع كبار الملاكين وشيوخ القبائل لبناء “كتلة ناخبة محافظة” توظف الثقل الديمغرافي للقرية آنذاك. كان “الفلاح” يمثل صمام أمان وبديلاً سوسيولوجيا وثقافيا يربط الولاء بملكيات الأرض والمكانة الاجتماعية داخل القبيلة، ليصبح الاعتماد على الريف مشروعا تأسيسيا صريحا لبناء الدولة الفتية.
لكن، لو نظرنا إلى واقعنا الراهن، سنرى كيف أدت العقود المتلاحقة إلى تفكك هذا السند التقليدي. فالقبيلة تراجع دورها البنيوي بفعل الهجرة المتزايدة وتفتيت الملكية الفلاحية وسياسات التحديث المادي، مما أضعف القوة الرمزية للأعيان. وفي المقابل، أضحت المدن المغربية فضاءات بالغة التعقيد تشهد بروز الفاعل الشبكي وغير الممركز؛ حيث أدى ارتفاع التعليم والسيولة المعلوماتية إلى نشوء سلوكيات انتخابية غير متوقعة تتأرجح بين التصويت العقابي والتعبير الاحتجاجي المباشر أو العزوف المنظم. ولم تعد تقنيات الضبط الرأسية قادرة على تدجين الشارع الحضري بنفس السلاسة، مما جعل الانتخابات بالمدن تنطوي على مخاطر سياسية متزايدة.
وهنا يكمن الجوهر في قراءة محمد الناجي مع المقاربة التحليلية “حين يمسك الميت بالحي”؛ إذ يسجل استمرار تفوق نتائج الهامش والقروي على نتائج المدن كـ”انتصار للمغرب العتيق على المغرب الحديث”. غير أن التركيب السوسيولوجي يتجاوز هذا الظاهر ليكشف التحول في طبيعة الضبط نفسه:
من شرعية الأعيان إلى هندسة الهشاشة: لم يعد الضبط الانتخابي يتم عبر السلطة الرمزية للأعيان، بل عبر إدارة الحاجة والهامشية الاقتصادية والارتهان لشباك الوساطة المحلية لإنتاج “انصياع انتخابي إجرائي”.
القرية كملاذ إجرائي: إن رجحان كفة أحزاب السلطة في القرى ليس ناتجا عن قوة مشروع سياسي قروي، بل لأن القرية أضحت الفضاء الأقل مقاومة للتأثير لتعويض عدم اليقين الحضري.
توظيف الهامش للتوازنات: تُستخدم الكتلة الانتخابية القروية كـ”خزان إجرائي مأمون” لضبط تشكيل الأغلبية البرلمانية وإخراج الخريطة السياسية الرسمية.
إن هذا التركيب التحليلي يضعنا أمام مأزق بنيوي تتمثل كلفته السياسية والدستورية في:
1. انفصال الشرعية الإجرائية عن المشروعية الاجتماعية: إن إنتاج أغلبيات تستند بكثافة على الأصوات القروية المُهندسة إجرائيا يُنتج شرعية اقتراع صورية تنفصل تدريجيا عن المشروعية الاجتماعية الحقيقية المتشكلة في المدن الأكثر دينامية.
2.تعطيل وظيفة التنمية والجهوية المتقدمة: إن المعادلة الحالية تقتضي إبقاء الهامش في حالة ارتهان وحاجة لضمان الاستفادة السياسية منه، وهو ما يصطدم صراحة مع التوجهات الرسمية كـ”الجهوية المتقدمة” وتقليص الفوارق المجالية؛ إذ إن تحرير الفاعل القروي تنمويا سيفقده وظيفته الضبطية.
3.التحكم كخيار اضطراري لا إستراتيجي: أثبتت هذه الدينامية أن الرهان الحالي على القرية هو سلوك دفاعي واضطراري يُمارس لأن النظام السياسي لم يبتكر بعد المؤسسات والوسائط السياسية القادرة على استيعاب “المدينة الحديثة”.
أصل أخيرا إلى أن المشكلة لا تكمن في أن “القرية تحكم المدينة” بحد ذاتها، بل تكمن في أزمة الزمن السياسي الممتد وعجز البنية المؤسساتية عن التطور بنفس سرعة التحولات الاجتماعية. وطالما لم تتمكن أدوات التحديث المؤسساتي من تحويل الدينامية الحضرية المستقلة إلى قوة مشاركة وبناء، فإن الانتخابات ستظل أداة لإعادة إنتاج التوازنات القائمة لا آلية للتحول والتجديد.

