وجهت النقابة الوطنية للصحافة المغربية انتقادات حادة لما وصفته بـ”الحملات العدائية الممنهجة” التي شنتها وسائل إعلام أجنبية خلال تغطية نهائيات كأس أمم إفريقيا 2025.
ونبهت الهيئة النقابية في الوقت نفسه السلطات المغربية إلى خطورة “تهميش” الصحافة المهنية لفائدة “جيش من المؤثرين” في تظاهرة تعتبر اختبارا تمهيديا وحاسما لاستضافة كأس العالم 2030.
وقالت الهيئة، التي تعد الأكثر تمثيلية للجسم الصحافي في المملكة، في بيان مطول تلقت صحيفة “وطن 24” نسخة منه، نسخة منه الأربعاء، إن المجال الإعلامي تحول خلال هذه البطولة القارية من فضاء للمنافسة الرياضية إلى ما يشبه “ساحة حرب”.
وأضافت النقابة أن هذه الحرب كانت مفتوحة لخدمة أجندات سياسية ضيقة، مسجلة “جنوحا شديدا” لدى منابر إعلامية تابعة لدول نافست منتخباتها على اللقب.
واتهمت النقابة هذه المنابر بالتشكيك الممنهج في نزاهة النتائج والتحريض الصريح على الكراهية بين الشعوب، في سابقة خطيرة تهدد القيم الرياضية.
توظيف سياسي في زمن القطيعة
لم يقف بيان النقابة عند حدود التنديد المهني المعتاد، بل وضع هذه الممارسات في سياقها الجيوسياسي المتوتر، مشيرا بوضوح إلى أن بعض التغطيات تجاوزت حدود النقد.
وخصت النقابة بالذكر، في إشارات ضمنية وصريحة، وسائل الإعلام الجزائرية، معتبرة أن تغطيتها جسدت “عملا عدائيا” في أبشع صوره استهدف صورة البلد المنظم.
وتأتي هذه الاتهامات المتبادلة في ظل قطيعة دبلوماسية تامة ومستمرة بين الرباط والجزائر منذ صيف عام 2021، أرخت بظلالها على كافة المجالات.
ويرى مراقبون ودبلوماسيون أن الملاعب الرياضية باتت في السنوات الأخيرة “الساحة البديلة” والوحيدة المتاحة لتصريف المواقف السياسية وتصفية الحسابات الإقليمية بين الجارين اللدودين.
واعتبرت النقابة أن ما تم ترويجه من “أخبار زائفة” وخطابات تحريضية عبر وسائط التواصل الاجتماعي وبعض القنوات الرسمية، لم يكن مجرد انفلاتات مهنية معزولة.
ووصفت الهيئة ذلك بأنه “خطة ممنهجة” لتبخيس المجهود التنظيمي المغربي والتشويش على نجاح الدورة التي شهدت حضورا جماهيريا قياسيا.
وأمام ما اعتبرته “انزلاقات خطيرة” تهدد قيم السلم والتعايش، أعلنت النقابة عزمها نقل المعركة إلى المستوى الدولي لفضج هذه الممارسات.
وأكدت أنها ستراسل الاتحاد الدولي للصحافيين واتحاد الصحافيين العرب، والاتحاد الإفريقي، بهدف استصدار مواقف صارمة تضع حدا لهذا الانفلات.
وتسعى النقابة من خلال هذه الخطوة إلى وقف ما وصفته بـ”اختطاف العمل الإعلامي” واستخدامه كأداة للتفرقة بدلا من التقارب بين الشعوب الإفريقية.
ويأتي هذا التحرك في وقت تسعى فيه المملكة لتعزيز قوتها الناعمة وتكريس ريادتها القارية عبر الدبلوماسية الرياضية واستضافة كبريات التظاهرات.
فوضى “المؤثرين” وصورة المونديال
على صعيد التنظيم الداخلي، فتحت النقابة جبهة أخرى لا تقل سخونة بانتقادها اللاذع للجنة المنظمة المحلية للبطولة، بسبب تدبيرها لملف الاعتمادات.
وسجل البيان بأسف شديد “إقصاء” عدد كبير من الصحافيين المهنيين المعتمدين من تغطية الأدوار النهائية والفعاليات الكبرى للمسابقة.
وانتقدت النقابة تعويض الصحافيين بجيش جرار من “المؤثرين” وصناع المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي، الذين مُنحوا امتيازات خاصة.
واعتبرت الهيئة النقابية أن هذا التوجه “الشعبوي” ساهم بشكل مباشر في “تمييع المشهد الإعلامي” وتغييب التغطية الرصينة للحدث.
وأوضحت أن غياب التحاليل المهنية لفائدة محتويات سطحية تركز على الإثارة، فسح المجال واسعا لترويج “سردية التبخيس” من قبل الخصوم.
وحذرت من أن غياب صوت إعلامي مهني قوي قادر على الرد بالحجة والمهنية والمصداقية، يترك الساحة فارغة أمام الشائعات.
ويرتبط هذا القلق النقابي بشكل وثيق بالرهانات المستقبلية للمغرب، الذي ينظر إلى نجاح تنظيم “كان 2025” كإنجاز استراتيجي.
وتعتبر الرباط هذه البطولة بروفة حاسمة واختبارا نهائيا لجاهزيتها لاحتضان الحدث الكوني الأهم، كأس العالم 2030، في ملف مشترك.
وتحذر الأوساط المهنية في الرباط من أن استمرار تهميش الإعلام الرصين والمؤسسات الصحافية الوطنية لصالح ثقافة “البوز”، قد يكون مكلفا.
ويرى خبراء الإعلام أن الجري وراء الأرقام القياسية للمشاهدات عبر المؤثرين قد يضعف الجبهة الإعلامية للمملكة في مواجهة التحديات الخارجية المقبلة.
ودعت النقابة صناع القرار إلى إعادة الاعتبار للمهنيين القادرين وحدهم على تقديم صورة واقعية، موثوقة، ومتوازنة عن المغرب.
وشددت على أن صورة البلاد تتطلب مهنية تتناسب مع حجم الطموحات الدولية للمملكة ومكانتها الصاعدة في المشهد الرياضي العالمي.
وختمت النقابة بيانها بالتأكيد على أن الدفاع عن صورة المغرب ومصالحه العليا لا يمكن أن يتم عبر الهواية والارتجال في التواصل.
وأشادت في الوقت ذاته بالجهود الجبارة التي بذلها الصحافيون المغاربة، رغم عراقيل التنظيم، للتصدي لحملات التشويش ونقل الحقائق.


