تتعزز مكانة مدينة محمد السادس طنجة تيك كإحدى أبرز قواعد الاستثمار الصناعي الصيني في شمال إفريقيا، بعدما بلغ عدد الشركات الصينية التي وقعت مشاريع داخل المنطقة 34 شركة حتى مارس 2026، باستثمارات متوقعة تناهز 3.5 مليارات دولار، وفق تقرير صيني حديث وصف طنجة بأنها “رأس جسر” للشركات المتجهة نحو الأسواق الأوروبية.
ويعكس هذا الوصف الدور الذي باتت المدينة المغربية تؤديه في خطط شركات صينية تسعى إلى إقامة قواعد إنتاج خارج آسيا، على مسافة قصيرة من أوروبا، مع الاستفادة من ميناء طنجة المتوسط ومن شبكة صناعية توسعت حول المدينة خلال العقد الماضي.
وبحسب التقرير، وقعت 34 شركة صينية مشاريع استثمارية في مدينة محمد السادس طنجة تيك حتى مارس الماضي، بينما تجاوز العدد الإجمالي للشركات الصينية الموجودة أو المنخرطة في المنطقة 40 شركة مطلع العام الجاري.
ويشمل الرقم الأخير نطاقا أوسع من الشركات، ولا يقتصر على تلك التي وصلت مشاريعها إلى مرحلة التوقيع.
وتتركز الاستثمارات في قطاعات ترتبط بدرجة كبيرة بصناعة السيارات، من بينها الإطارات والبطاريات والنحاس والمكونات المعدنية والإلكترونية والتجهيزات الصناعية.
ومن بين الشركات التي أوردها التقرير “سينتوري تاير” و”قويتشو تاير” و”بي تي آر” و”هايليانغ”، وهي أسماء تنتمي إلى موجة متزايدة من المصنعين الصينيين الذين اختاروا المغرب قاعدة للإنتاج والتصدير.
وتقع طنجة عند المدخل الغربي للبحر الأبيض المتوسط، قبالة الساحل الإسباني، وهو ما يمنحها موقعا قريبا من أحد أكبر أسواق السيارات والصناعات التحويلية في العالم.
ويعزز هذا الموقع ميناء طنجة المتوسط، الذي تحول خلال السنوات الماضية إلى أحد أكبر موانئ الحاويات في إفريقيا والبحر المتوسط، ويرتبط بخطوط شحن مع أوروبا وأمريكا وآسيا.
ولا تراهن الشركات الصينية على السوق المغربية وحدها. فجزء مهم من جاذبية طنجة يرتبط بإمكانية الإنتاج داخل المغرب ثم التصدير نحو الأسواق الأوروبية والدولية، مستفيدة من البنية اللوجستية واتفاقيات التجارة الحرة التي أبرمتها المملكة مع عدد من شركائها.
كما تستفيد من قاعدة صناعية تشكلت حول قطاع السيارات.
ويحتضن شمال المغرب مصنعا كبيرا لمجموعة رونو الفرنسية قرب طنجة، بينما تدير مجموعة ستيلانتيس مصنعا آخر في القنيطرة على الساحل الأطلسي. وأسهم وجود المجموعتين في استقطاب شبكة واسعة من موردي الأسلاك والمقاعد والأجزاء المعدنية والإلكترونية ومكونات السيارات.
ومع توسع هذه الشبكة، بدأت الاستثمارات الصينية تنتقل من تصنيع المكونات التقليدية إلى قطاعات ترتبط بالتحول نحو السيارات الكهربائية.
وتعد شركة “بي تي آر نيو ماتيريال غروب” من أبرز الشركات الصينية التي دخلت هذا المجال، من خلال استثمارات مرتبطة بمواد البطاريات، في وقت تبحث فيه شركات آسيوية عن مواقع إنتاج أقرب إلى مصانع السيارات الأوروبية.
كما اختارت مجموعة “هايليانغ” الصينية طنجة لإقامة مجمع لإنتاج النحاس ومشتقاته، وهي مواد تدخل على نطاق واسع في الصناعات الكهربائية والإلكترونية وصناعة السيارات، ولا سيما المركبات الكهربائية.
وتعكس هذه المشاريع تحولا في طبيعة الحضور الصناعي الصيني في طنجة. فبدلا من مصانع منفردة تعمل بصورة مستقلة، بدأت المنطقة تجمع شركات تنشط داخل حلقات مترابطة من سلسلة الإنتاج، من المواد الأولية إلى مكونات السيارات والبطاريات والإطارات.
وتبلغ المساحة الإجمالية المخطط لها لمدينة محمد السادس طنجة تيك نحو 2167 هكتارا. وأطلق المشروع بهدف استقطاب استثمارات صناعية صينية ودولية وتطوير منصة للإنتاج الموجه إلى الأسواق الخارجية.
ويشارك الجانب الصيني أيضا في تطوير المشروع نفسه، من خلال مجموعة “تشاينا كوميونيكيشنز كونستركشن كومباني”، ما يجعل الحضور الصيني في المنطقة يتجاوز إقامة المصانع إلى المشاركة في تطوير المنصة الصناعية.
وكان المشروع قد مر بمراحل متعددة منذ الإعلان عنه، قبل أن تتسارع خلال السنوات الأخيرة إعلانات الشركات الصينية عن مصانع ومشاريع جديدة في طنجة وشمال المغرب.
ويأتي هذا التوسع في وقت تعمل فيه شركات صينية على إعادة توزيع جزء من قدراتها الإنتاجية خارج الصين، خصوصا في القطاعات التي ترتبط مباشرة بالأسواق الأوروبية.
وتدفع عوامل متعددة في هذا الاتجاه، من بينها تقليص مسافات التوريد، والاقتراب من مصانع الزبائن، وإعادة تنظيم سلاسل الإنتاج العالمية في قطاعات السيارات والبطاريات والمعادن.
وبالنسبة إلى المغرب، تعزز هذه الاستثمارات مسارا بدأ قبل سنوات لتحويل صناعة السيارات من نشاط قائم على التجميع إلى منظومة أوسع تضم تصنيع المكونات والمواد والتجهيزات المرتبطة بالمركبات.
أما بالنسبة إلى الشركات الصينية، فتقدم طنجة معادلة تجمع بين القرب من أوروبا ووجود ميناء دولي وقاعدة صناعية واتصال بشبكات التصدير.
وهذه العوامل هي التي دفعت التقرير الصيني إلى وصف المدينة بأنها “رأس جسر” نحو أوروبا، في إشارة إلى تحول طنجة من نقطة لوجستية على طرق التجارة بين آسيا وأوروبا إلى قاعدة إنتاج تتجه منها سلع مصنعة في المغرب نحو الأسواق الأوروبية.

