رغم التقدم الملحوظ الذي أحرزه المغرب في توسيع قاعدة المستفيدين من التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، لا يزال نحو 8.5 مليون مغربي خارج دائرة الاستفادة، وهو ما يبرز تحديات كبرى أمام تحقيق التغطية الصحية الشاملة التي تعد أحد أبرز المشاريع الاجتماعية في البلاد.
وفقاً لتقرير حديث للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، يشمل هذا الرقم 5 ملايين شخص غير مسجلين في نظام التأمين الصحي، إضافة إلى 3.5 مليون آخرين يواجهون وضعية “الحقوق المغلقة”، وهي حالة تعني عدم قدرتهم على الاستفادة من النظام رغم تسجيلهم فيه. هذه الأرقام تعكس فجوة كبيرة تتطلب تدخلاً هيكلياً ومستداماً لسدّها.
ويشير المجلس إلى مجموعة من الأسباب التي تقف وراء هذا الوضع، أبرزها غياب إجراءات إجبارية شاملة للتسجيل في نظام التأمين الصحي، وضعف آليات التتبع والرقابة لضمان استمرارية انخراط المستفيدين.
كما يواجه النظام تحدياً آخر يتمثل في ارتفاع النفقات الصحية المباشرة على المواطنين، التي تصل إلى 50% من إجمالي المصاريف، وهي نسبة تفوق بكثير التوصيات الدولية التي تحدد سقفاً لا يتجاوز 25%.
وينعكس غياب شريحة كبيرة من المواطنين عن نظام التأمين الصحي بشكل مباشر على مستوى معيشتهم وصحتهم. إذ يُضطر العديد من الأسر إلى تحمّل تكاليف باهظة للعلاج، ما يؤدي إلى تفاقم الوضعية الاقتصادية للأسر الهشة، ويزيد من خطر تدهور الحالة الصحية لغير القادرين على دفع تكاليف العلاج.
ويعمق هذا الوضع الفجوة الصحية بين الفئات الاجتماعية ويؤثر على قدرة النظام الصحي على تحقيق أهدافه المتمثلة في ضمان العدالة الاجتماعية واستدامة الخدمات الصحية.
لضمان تحقيق التغطية الصحية الشاملة، قدّم المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حزمة من التوصيات، تبدأ بجعل التسجيل في نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض إلزامياً للجميع، مع إلغاء وضعية “الحقوق المغلقة” التي تُقصي عدداً كبيراً من المستفيدين المحتملين.
كما شدد المجلس على أهمية تنويع مصادر تمويل النظام لضمان استدامته، ودعا إلى تحسين نسبة إرجاع المصاريف الطبية، بما يُخفف العبء المالي عن الأسر، وتعزيز الضبط الطبي للنفقات من خلال بروتوكولات علاجية ملزمة تضمن كفاءة الإنفاق.
إلى جانب التوصيات المالية والإدارية، يبرز تحسين الولوج إلى الأدوية كأولوية قصوى. إذ يقترح المجلس مراجعة الإطار القانوني لتحديد أسعار الأدوية وتعزيز الإنتاج الوطني للأدوية الجنيسة كوسيلة لتقليص تكاليف العلاج.
ويُعد إشراك القطاع الخاص في هذه الدينامية أمراً ضرورياً لضمان تنويع الخدمات وتسريع معالجة الملفات الصحية، لا سيما في ظل تعقيدها وارتفاع حجمها.
ويُعتبر مشروع التغطية الصحية الشاملة في المغرب إنجازاً غير مسبوق، إلا أن تحقيق أهدافه الكاملة يتطلب مواجهة التحديات المرتبطة بإدماج الفئات غير المستفيدة. ومع تسجيل حوالي 86.5% من السكان في النظام الصحي بحلول 2024، فإن الرهان يكمن في تعميم هذه التغطية بشكل كامل.

