في أحد أجنحة معرض مراكش للطيران، ظهر شاب في السادسة والعشرين من عمره إلى جانب مسؤولين مغاربة كبار في قطاع الدفاع، لتوقيع اتفاق يرتبط بأحد أكثر مشاريع الطائرات المسيرة طموحا التي أعلن عنها المغرب في السنوات الأخيرة.
الشاب هو معاذ المغاري، المولود في الرباط سنة 2000، والمؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة Harmattan AI الفرنسية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي الدفاعي والأنظمة الذاتية.
ووقع المغاري مع إدارة الدفاع الوطني المغربية خطاب نوايا يهم اقتناء وتطوير وإنتاج منظومة IRIFI للضربات بعيدة المدى، في خطوة جديدة ضمن مسار تعاون بدأ قبل أشهر بين الشركة الفرنسية والمغرب.
ويصل المدى المعلن للمنظومة إلى نحو ألفي كيلومتر، مع اعتمادها على تقنيات تشغيل ذاتي وملاحة وتوجيه صممت للعمل حتى في بيئات تتعرض فيها إشارات الأقمار الصناعية أو الاتصالات للتشويش.
لكن أهمية الاتفاق لا ترتبط فقط بالمواصفات العسكرية للنظام.
فبحسب المعطيات المعلنة، يشمل المشروع تطوير وإنتاج أجزاء من المنظومة داخل المغرب، في إطار توجه تسعى من خلاله الرباط إلى تقليص الاعتماد الكامل على استيراد المعدات العسكرية الجاهزة وتوسيع قاعدة التصنيع الدفاعي المحلي.
ويأتي الاتفاق بعد نحو أربعة أشهر من إعلان Harmattan AI شراكة استراتيجية مع القوات المسلحة الملكية، تشمل تصنيع أنظمة دفاع ذاتية بالمغرب وإنشاء مركز للبحث والتطوير في الذكاء الاصطناعي الدفاعي والتعاون مع جامعات ومؤسسات بحث وطنية.
ويجد المغاري نفسه في قلب هذا التحول.
فبعد مغادرته المغرب في سن مبكرة، تابع دراسته في مؤسسات أكاديمية فرنسية، من بينها المدرسة المتعددة التقنيات، قبل أن يواصل مساره في الولايات المتحدة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
ثم اتجه إلى قطاع الصناعات الدفاعية، وشارك في تأسيس Harmattan AI التي ركزت نشاطها على تطوير طائرات مسيرة وأنظمة روبوتية وتقنيات ذكاء اصطناعي موجهة للاستخدام العسكري.
وخلال فترة قصيرة، جذبت الشركة اهتمام مستثمرين ومجموعات صناعية كبرى.
وفي يناير 2026، قادت Dassault Aviation جولة تمويل بقيمة 200 مليون دولار لفائدة Harmattan AI، لترتفع قيمة الشركة إلى نحو 1,4 مليار دولار.
وأصبحت بذلك واحدة من أبرز الشركات الفرنسية الناشئة العاملة في مجال التكنولوجيا الدفاعية.
وتعتمد رؤية الشركة على تطوير أنظمة ذاتية يمكن إنتاجها بأعداد كبيرة وبتكلفة أقل من منظومات التسليح التقليدية مرتفعة الثمن، وهو توجه اكتسب أهمية متزايدة مع انتشار الطائرات المسيرة في النزاعات المسلحة الحديثة.
وفي المغرب، يبدو المشروع مختلفا عن نموذج التوريد العسكري التقليدي.
فالاتفاق يشير إلى رغبة في نقل جزء من التطوير والهندسة والإنتاج إلى المملكة، مع الاعتماد على مهندسين وكفاءات محلية.
ولا تزال عدة تفاصيل غير معلنة، من بينها قيمة الاتفاق وعدد منظومات IRIFI المرتقب إنتاجها والجدول الزمني لبدء التصنيع.
كما أن الوثيقة الموقعة تظل في هذه المرحلة خطاب نوايا، في انتظار الانتقال إلى عقود تنفيذية أكثر تفصيلا.
ومع ذلك، يعكس الاتفاق سرعة تطور العلاقة بين المغرب وHarmattan AI.
فخلال أشهر قليلة، انتقلت الشراكة من الحديث عن البحث والتطوير والأنظمة الذاتية إلى مشروع يتعلق بمنظومة ضرب بعيدة المدى يجري التخطيط لإنتاجها داخل المغرب.
وبالنسبة إلى المغاري، يحمل المشروع بعدا خاصا.
فالشاب الذي ولد في الرباط وبنى مساره الأكاديمي والمهني بين فرنسا والولايات المتحدة، يعود اليوم إلى المغرب من بوابة الصناعات الدفاعية، بصفته رئيس شركة أصبحت خلال فترة قصيرة لاعبا صاعدا في قطاع التكنولوجيا العسكرية الأوروبية.
أما بالنسبة إلى المغرب، فيأتي المشروع ضمن مسار أوسع يهدف إلى تطوير صناعة دفاعية محلية تقوم على الشراكات ونقل التكنولوجيا والبحث والتطوير، بدل الاكتفاء باستيراد المعدات الجاهزة.

