لم يعد التعاون الأمني بين المغرب وإسبانيا في ملف الإرهاب مجرد تنسيق تقني بين جهازين متجاورين، بل تحول إلى واحد من أكثر مساحات الثقة صلابة في علاقة بلدين يعرفان، في ملفات أخرى، قدرا كبيرا من التوتر والحذر وسوء الفهم.
فحين تتحدث المعطيات عن 153 موقوفا منذ 2015، وأكثر من 30 خلية جرى تفكيكها بعمل مشترك، فإن الأمر لا يتعلق فقط بأرقام أمنية، بل بصورة أوسع عن طبيعة التهديد الذي يفرض على الرباط ومدريد البقاء في خندق واحد، مهما اختلفت الحسابات السياسية في ملفات الحدود والهجرة والسيادة.
العملية الأخيرة بين طنجة ومايوركا تعيد تأكيد هذه الحقيقة. خلية عابرة للضفتين، تمويل، دعم لوجستي، صلات بمقاتلين في الصومال، ومخطط لاستهداف التراب الإسباني.
هذا النوع من القضايا لا يترك مجالا للمجاملات الدبلوماسية أو البطء البيروقراطي. هنا يصبح تبادل المعلومة في الوقت المناسب هو الفاصل بين التتبع الاستباقي والانفجار المتأخر.
لذلك تبدو العلاقة بين المكتب المركزي للأبحاث القضائية المغربي والمفوضية العامة للاستعلامات الإسبانية أكثر من مجرد تعاون مناسب للظرف. إنها شراكة فرضها الخطر نفسه.
لكن الأهم من الجانب العملياتي هو ما تكشفه هذه الأرقام عن تطور بنية التهديد. فالمشهد لم يعد محصورا في خلايا محلية معزولة، بل بات يقوم على شبكات مرنة، تمتد بين شمال المغرب ومدن إسبانية، وتجمع بين التمويل والاستقطاب والتنسيق اللوجستي، أكثر مما تقوم على التمركز في نقطة واحدة.
هذا التحول يعني أن الإرهاب، في نسخته الحالية، صار أقل صخبا في الشكل وأكثر تعقيدا في البناء. لم تعد المسألة فقط شخصا يحمل سلاحا أو يعد عبوة، بل بنية دعم كاملة، تتحرك بالأموال والرسائل والعلاقات العابرة للحدود.
ومن هنا تظهر قيمة النموذج المغربي الإسباني. فالتعاون بين البلدين لم يقتصر على ملاحقة المنفذين، بل اتجه إلى تفكيك السلاسل التي تسبق الفعل، من الرصد المبكر إلى تعقب التحويلات ومراقبة دوائر التأثير والاستقطاب. وهذا بالضبط ما يمنح هذا التنسيق وزنه الحقيقي. لأنه لا يتحرك بعد وقوع الخطر فقط، بل يشتغل داخل المسافة التي تفصل بين النية والتنفيذ.
غير أن هذا النجاح لا يلغي الأسئلة الأصعب. أولها أن استمرار هذا المستوى من التنسيق يعكس أيضا اتساع التهديد لا انحساره. فإذا كانت الأجهزة في البلدين تمكنت من بناء قناة فعالة لتبادل المعلومات، فهذا يعني في المقابل أن البيئة الحاضنة لخلايا الدعم ما زالت قائمة، وأن المجال الممتد بين الساحل والصومال وشمال إفريقيا وأوروبا الجنوبية ما زال يفرز شبكات قادرة على إعادة إنتاج نفسها بوجوه ووسائط جديدة.
ثاني هذه الأسئلة يرتبط بالجغرافيا السياسية نفسها. فالمغرب لم يعد فقط شريكا أمنيا لإسبانيا من باب الجوار، بل تحول إلى فاعل إقليمي يملك موقعا متقدما في هندسة الأمن المتوسطي.
وهذا ما يفسر لماذا تنظر مدريد، ومعها عواصم أوروبية أخرى، إلى الرباط باعتبارها نقطة ارتكاز في المعركة ضد التطرف والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة في آن واحد. هنا يتجاوز المغرب دور “الحديقة الخلفية الأمنية” لأوروبا، ويصبح طرفا يصنع جزءا من الاستقرار الإقليمي لا مجرد متلق للطلبات الأمنية الأوروبية.
لكن في الجهة المقابلة، لا يمكن تجاهل أن هذا التقارب الأمني يعيش دائما داخل علاقة سياسية غير مستقرة بالكامل. فكلما اندلع خلاف حول سبتة أو مليلية أو الهجرة أو الصحراء، يعود السؤال القديم، هل تستطيع الشراكة الأمنية أن تبقى معزولة عن التوتر السياسي؟ التجربة حتى الآن تقول نعم، إلى حد بعيد.
وهذا بالتحديد ما يجعل التعاون ضد الإرهاب استثناء لافتا في العلاقات المغربية الإسبانية. فبينما تتعثر السياسة، تستمر المعلومة. وبينما تتبدل النبرات العلنية، تبقى قنوات التنسيق مفتوحة في العمق.
هذا لا يعني أن المجال محصن نهائيا. لأن أخطر ما قد يواجه هذا النموذج ليس ضعف الكفاءة، بل ثقل الحسابات السياسية إذا قررت في لحظة ما أن تزاحم منطق الأمن. لذلك تبدو المحافظة على هذا المستوى من الثقة ضرورة استراتيجية للطرفين، لا مجرد اختيار مهني. فالإرهاب العابر للحدود لا يعترف بحساسيات الخطاب السياسي، ولا ينتظر لحظة الانسجام الدبلوماسي حتى يتحرك.
في المحصلة، ما تكشفه قضية 153 موقوفا في عشر سنوات ليس فقط نجاح تنسيق أمني بين بلدين، بل أيضا طبيعة زمن جديد في غرب المتوسط. زمن تتراجع فيه الحدود التقليدية أمام شبكات التهديد المرنة، ويصبح فيه التعاون الاستخباراتي أحيانا أكثر تماسكا من التفاهم السياسي نفسه. وفي هذا المعنى، لا تحكي العمليات المشتركة بين الرباط ومدريد قصة مواجهة مع الإرهاب فقط، بل تحكي أيضا كيف يمكن للخطر المشترك أن يفرض واقعية لا تستطيع السياسة دائما بلوغها.

