اعتبر تقرير استراتيجي حديث أن المدير العام للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، عبد اللطيف حموشي، والمدير العام للمديرية العامة للدراسات والمستندات، محمد ياسين المنصوري، يقودان المغرب إلى موقع متقدم ضمن الدول الرائدة في مجال الأمن، عبر بناء نموذج استخباراتي مزدوج يجمع بين التكامل المؤسساتي والكفاءة العملياتية في التعامل مع التهديدات المتصاعدة.
ويؤكد التقرير الصادر عن معهد R.O.C.K. المتخصص في الدراسات الجيوسياسية أن المملكة تمكنت خلال العقدين الأخيرين من ترسيخ تجربة استخباراتية متماسكة، انطلقت من تراكم تقليدي قديم، لكنها عرفت تحولا حاسما عقب تفجيرات الدار البيضاء سنة 2003، التي دفعت إلى إعادة صياغة المقاربة الأمنية برمتها، قانونيا ومؤسساتيا، لتواكب تعقيدات الواقع الأمني الداخلي والإقليمي.
ورأى معدو التقرير أن هذا التحول لم يكن سطحيا أو ظرفيا، بل أدى إلى ظهور نموذج مزدوج يتسم بالانسجام والتكامل، تمثله كل من المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني المكلفة بالأمن الداخلي، والمديرية العامة للدراسات والمستندات التي تتولى الجانب الخارجي، ضمن هندسة أمنية تتسم بالمرونة ودقة توزيع الأدوار، تحت قيادة مركزية متقدمة.
وأشار التقرير إلى أن هذا البناء المزدوج أتاح للمغرب القدرة على التحرك بفعالية عبر مستويات متعددة، حيث ساهمت الأجهزة الاستخباراتية في إحباط عدد كبير من المخططات الإرهابية، بعضها كان في مراحله الأخيرة من التنفيذ، كما شاركت في إحباط عمليات خارج التراب الوطني بتنسيق مع شركاء أوروبيين وأفارقة.
ولفت المصدر ذاته إلى أن المغرب لم يكتف بالنجاعة الميدانية، بل حرص على تطوير تأطير قانوني يضمن ممارسة الاستخبارات في ظل احترام الحقوق والحريات، مستشهدا بتعديل دستور 2011 الذي رسخ الحق في حماية الحياة الخاصة والمعطيات الشخصية، وأقر مبدأ التناسب في تدخل الدولة، مع استثناءات دقيقة مرتبطة بالأمن الوطني.
وسجل التقرير أن المملكة عززت هذا المسار من خلال قوانين تنظيمية، أبرزها المادة 108 من قانون المسطرة الجنائية التي تحدد شروط مراقبة الاتصالات، والقانون 05-20 المتعلق بالأمن السيبراني، والذي جاء كاستجابة مباشرة للتهديدات الرقمية المتزايدة، في وقت أصبحت فيه الحرب الإلكترونية جزءا من المعارك الحديثة بين الدول.
ويشير معهد R.O.C.K. إلى أن الأجهزة المغربية لم تعد تشتغل في منطق الدفاع السلبي، بل طورت قدرات هجومية واستباقية في الفضاء الرقمي والمعلوماتي، ما يجعلها قادرة على كشف نوايا الخصوم قبل أن تتحول إلى أفعال، عبر تقنيات التحليل السلوكي، والاستعلام التنبؤي، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في معالجة البيانات.
وفي جانب آخر، يبرز التقرير أن هذا الجهاز الاستخباراتي يلعب أيضا دورا محوريا في دعم القرار السياسي والدبلوماسي، عبر تقديم معطيات دقيقة حول محيط المملكة الإقليمي، وتحليل التهديدات المرتبطة بالصحراء، والهجرة، وشبكات التهريب، وحملات التشويش الإعلامي، بما يضمن للسلطات المغربية توازنا أفضل في قراءة التحولات الجيوسياسية.
ويرى معدو التقرير أن حموشي والمنصوري نجحا، كل من موقعه، في فرض مدرسة استخباراتية مغربية، تقوم على احترام تسلسل القرار، وتقديس مبدأ الكتمان، وتجنب الظهور، مع تفضيل الفعل على التصريح، ما منح الأجهزة مصداقية عالية داخليا، واحتراما متزايدا من طرف شركاء دوليين في أوروبا وأمريكا وآسيا.
ويحذر التقرير من أن طبيعة التهديدات في المرحلة المقبلة ستكون أكثر تعقيدا، خاصة مع اقتراب عصر التشفير الكمي، الذي قد يهدد أنظمة الحماية الحالية، وانتشار العملات المشفرة التي تسهّل تمويل الإرهاب والجريمة المنظمة، بالإضافة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج أخبار مزيفة وتنفيذ هجمات رقمية يصعب تتبع مصدرها.
وفي هذا السياق، يدعو معهد R.O.C.K. إلى الإسراع في تحديث الإطار القانوني المنظم للاستخبارات، بما في ذلك إصدار قانون إطار موحد، يحدد المهام والضوابط بشكل دقيق، ويمنح الأجهزة أدوات مرنة للتعامل مع التحديات المتغيرة دون المساس بالتوازن الدستوري بين الأمن والحرية.
ويخلص التقرير إلى أن المغرب، وهو يقترب من استحقاقات استراتيجية كبرى، من بينها تنظيم جزء من كأس العالم 2030، والانخراط في مشاريع سيادية رقمية، يحتاج إلى تعزيز قدراته الاستخباراتية أكثر، ليس فقط لحماية أراضيه، بل لصيانة استقلاله في قراراته، وضمان أمنه في عالم لم يعد يعترف بالحدود التقليدية.
ويرى المعهد أن ريادة المغرب في المجال الأمني لم تعد مجرد طموح، بل حقيقة تتعزز يوما بعد يوم، بفضل يقظة أجهزته، وخبرة قيادته، وحكمة من يقودونها من وراء الستار، في إشارة إلى الثنائي حموشي والمنصوري، اللذين يمثلان – بحسب التقرير – نواة صلبة في منظومة أمنية تُعاد صياغتها على إيقاع عالم يتغير بسرعة.

