تشكل الكنيسة الكاتدرائية للقديس بطرس في قلب العاصمة الرباط، احدى صروح التعايش الديني ورمزا معماريا يعكس تنوع الهوية المغربية وانفتاحها على الديانات والثقافات المختلفة.
ويكتسي هذا المعلم الديني، الذي تأسس في عشرينيات القرن الماضي وصممه المعماري الفرنسي ادريين لافورغ، مكانة خاصة في المشهد الحضري للعاصمة بما يمثله من نموذج معماري عصري فريد، يجمع بين خطوط هندسية بسيطة وواجهات بيضاء شاهقة تطل على حي الحسن.
وفي تقرير نشرته صحيفة “لاراثون” الإسبانية، اعتُبرت الكاتدرائية مثالا بارزا على قدرة المغرب على احتضان التنوع الديني والثقافي داخل فضاء حضري واحد، مشيرة إلى أنها لم تعد مجرد مكان للعبادة بل تحولت إلى فضاء مفتوح أمام مختلف مكونات المجتمع، حيث تحتضن حفلات موسيقية وأنشطة ثقافية ولقاءات حوارية بين أتباع الديانات المختلفة.
وتبرز الكنيسة، التي شيدت في عهد الحماية الفرنسية سنة 1921 وجرى تدشينها رسميا عام 1930، كأحد المعالم التاريخية التي توثق مرحلة مهمة من تطور العاصمة المغربية. ورغم مرور قرن على بنائها، ما تزال تحتفظ بهويتها المعمارية الأصلية، حيث تنعكس روح الحداثة الأوروبية على تصميمها، من خلال اعتماد الزوايا الحادة والخطوط الهندسية البسيطة، في انسجام مع الموروث المعماري المغربي الذي يحيط بها.
ويصف التقرير الكنيسة بأنها أكثر من معلم ديني، فهي تمثل أيضا جزءا من هوية الرباط الثقافية. فبجانب قداسها الأسبوعي الذي يحضره المصلون من مختلف الجنسيات، تحتضن الكاتدرائية فعاليات فنية وموسيقية عابرة للأديان، كما تشهد بين الحين والآخر لقاءات للحوار بين الثقافات في حضور باحثين ومفكرين وممثلي ديانات متعددة.
كما يشير التقرير إلى أن موقع الكنيسة في قلب الرباط، على مقربة من مؤسسات دستورية كبرى ومراكز ثقافية بارزة، يعكس رمزية التعايش في الفضاء العام المغربي، حيث تتجاور المساجد والكنائس والمعابد في انسجام واضح يعكس تاريخ المغرب المتعدد الأبعاد.
وترى صحيفة “لاراثون” أن استمرار الكنيسة في أداء أدوارها الدينية والثقافية بعد قرن من تأسيسها يعكس طبيعة النموذج المغربي في إدارة التعدد الديني. فالمغرب، وفق التقرير، يوازن بين حماية الهوية الإسلامية الرسمية للمملكة وضمان حرية الممارسة الدينية للأجانب والمقيمين من مختلف الديانات، في إطار رؤية منفتحة مدعومة بتوجيهات ملكية ترسخ قيم التسامح.
وبينما تمثل الكنيسة الكاتدرائية للقديس بطرس معْلما معماريا بارزا في العاصمة، فإنها تحافظ أيضا على وظيفتها كجسر للتواصل بين الثقافات، ومختبرا حقيقيا لروح التعايش التي تميز المغرب، حيث يلتقي الزائرون في فضائها لممارسة شعائرهم أو حضور فعاليات ثقافية دون أي شعور بالفصل أو العزلة.

