وطن 24
مع تزايد اهمية البيانات في صياغة السياسات العمومية، يجد المغرب نفسه أمام تحد مزدوج: تعزيز التحول الرقمي الذي جعله اولوية وطنية، وفي الوقت نفسه بناء منظومة متكاملة لحوكمة البيانات تضمن الشفافية وحماية الخصوصية وتكامل المؤسسات.
وخصص تقرير البنك الدولي الاخير حول ممارسات حوكمة البيانات في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا حيزا واسعا للتجربة المغربية. فقد أشار إلى أن المملكة وضعت التحول الرقمي في قلب النموذج التنموي الجديد، مستندة الى توجيهات ملكية واضحة واستراتيجيات حكومية تستهدف رقمنة الخدمات العمومية وتوسيع المعاملات الالكترونية.
ومن بين هذه المبادرات، برزت منصات مثل “شكاية” المخصصة لتلقي وتتبع تظلمات المواطنين، ومشروع التحول الرقمي للسجل التجاري الذي يسمح بانجاز الاجراءات عن بعد. هذه الامثلة تعكس ارادة عملية لارساء ادارة حديثة تعتمد على البيانات.
لكن التقرير يلفت في المقابل الى صعوبات ملموسة. فالمشهد المؤسساتي ما زال يعاني من تداخل الصلاحيات بين وزارات وهيئات متعددة، ما يضعف التنسيق ويؤخر تفعيل قواعد واضحة لتقاسم البيانات.
كما أن الأطر التشريعية المعتمدة حتى الآن لا توفر الحماية الكاملة للخصوصية ولا تواكب التطورات التكنولوجية السريعة.
وشدد البنك على أن بعض الممارسات المرتبطة بالإفصاح والشفافية تحتاج الى تحديث حتى تستجيب لمتطلبات العصر الرقمي.
وفي هذا السياق، يبرز دور هيئتين محوريتين: اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP)، والوكالة الوطنية للتنمية الرقمية (ADD).
فالاولى مكلفة بضمان حماية المعطيات الشخصية ومراقبة الالتزام بالقوانين، بينما احدثت الثانية لقيادة مشاريع الرقمنة وارساء البنية الرقمية داخل الادارات العمومية.
غير ان التقرير يشير الى ان تفعيل ادوارهما بشكل متكامل يتطلب وضوحا اكبر في توزيع الصلاحيات وانسجاما مؤسساتيا يعزز الثقة ويوضح المسؤوليات.
وتكشف المقارنة الاقليمية التي قدمها البنك ان التحديات المغربية ليست استثناء. ففي الامارات، على سبيل المثال، سجل تقدم ملحوظ في وضع منظومة قانونية متماسكة سمحت باطلاق برامج للبيانات المفتوحة واستخدامها في مجالات الصحة والنقل والتعليم. هذا التماسك جعل الامارات واحدة من النماذج الاكثر تقدما في المنطقة.
اما تونس، فقد تميزت بسبق تشريعي في مجال حماية المعطيات الشخصية منذ سنوات، لكنها لم تتمكن بعد من خلق انسجام مؤسساتي يسمح باستغلال فعلي للبيانات في تطوير الخدمات العمومية.
في مصر، الوضع اقرب الى التجربة المغربية، اذ يواجه البلد تحديات مرتبطة بتعدد الاجهزة الحكومية وتوزع الصلاحيات، ما يعقد عملية بناء منظومة موحدة لحوكمة البيانات.
وتطرق التقرير ايضا الى تجارب اخرى مثل السعودية والاردن. ففي السعودية، اطلق برنامج طموح تحت مسمى “البيانات كنفط جديد” ضمن رؤية 2030، يهدف الى جعل البيانات موردا اقتصاديا استراتيجيا، وقد ترافق مع اصلاحات تشريعية ومؤسساتية متسارعة.
وأحرز الاردن بدوره خطوات في ربط الرقمنة بالاصلاح الاداري، لكنه يظل امام تحديات في تحديث التشريعات وضمان الاستقلالية الكاملة لهيئات حماية المعطيات.
ويرى البنك الدولي ان نجاح اي استراتيجية للتحول الرقمي في المنطقة لا يتوقف فقط على البنية التحتية التكنولوجية او حجم الاستثمارات، بل يتطلب بالاساس اطارا مؤسساتيا وقانونيا يضمن ثقة المواطنين ويحفز الاستخدام الامن للبيانات.
بالنسبة للمغرب، يعني ذلك الانتقال من مرحلة اعلان الطموحات الى مرحلة توحيد السياسات وتوضيح الادوار بين المؤسسات، مع تطوير قوانين اكثر دقة لحماية الخصوصية وضمان الشفافية.
وبالنظر الى المقارنة الاقليمية، يبدو ان المغرب يقف في موقع متوسط: متقدم في الاعلان السياسي والاستراتيجيات، لكنه ما زال متأخرا نسبيا في بناء منظومة قانونية ومؤسساتية متماسكة.
ويمنح هذا الموقع المغرب فرصة للاستفادة من التجارب المحيطة، سواء النموذج الاماراتي الاكثر تطورا، او التجربة التونسية التي اظهرت ان التشريع وحده لا يكفي دون مؤسسات قوية ومنسقة.
وبالنسبة للبنك الدولي، فالرهان المستقبلي يتجاوز الطموحات التقنية ليصبح رهانا سياسيا واجتماعيا. فالثقة بين المواطن والادارة، وحماية المعطيات الشخصية، والشفافية في تداول البيانات، كلها عناصر تحدد مدى نجاح المغرب وبقية دول المنطقة في تحويل الرقمنة من مجرد شعار الى واقع ملموس يدعم التنمية والاندماج في الاقتصاد العالمي.

