أثار إعلان حكومة عزيز أخنوش إنهاء العمل بالساعة الإضافية في المغرب موجة تجاذب سياسي، بعدما انتقل القرار بسرعة من خانة الاستجابة لمطلب اجتماعي إلى ساحة صراع على الرمزية، بين أغلبية تسعى إلى استثماره كإشارة إنصات، ومعارضة تحاول انتزاعه من رصيد الحكومة، ومجتمع مدني ظل يدفع الملف خارج الحسابات الحزبية.
وأعلنت الحكومة، الخميس، الرجوع إلى الساعة القانونية المحددة في توقيت غرينيتش، ابتداء من نهاية الصيف، عبر تأخير الساعة بستين دقيقة عند حلول الثانية صباحا من يوم الأحد 20 شتنبر 2026.
ويضع القرار حدا للعمل بتوقيت غرينيتش+1 الذي ظل، منذ تثبيته سنة 2018، أحد أكثر القرارات العمومية التصاقا بالحياة اليومية للمغاربة.
غير أن الطابع الاجتماعي للقرار لم يمنع قراءته فورا بعيون سياسية. فبالنسبة إلى خصوم رئيس الحكومة، لا يمكن فصل التوقيت عن محاولة حزب التجمع الوطني للأحرار ترميم جزء من شعبيته التي تآكلت تحت ضغط الغلاء، واحتجاجات مهنية واجتماعية، وانتقادات متواصلة لطريقة تدبير الحكومة لملفات تمس القدرة الشرائية والخدمات العمومية.
في هذه القراءة، لا يبدو التخلي عن الساعة الإضافية مجرد مراجعة تقنية لتدبير الزمن، بل محاولة لالتقاط مطلب واسع بأقل كلفة سياسية، خصوصا أن الملف لا يحتاج إلى موارد مالية كبيرة، خلافا لملفات الأجور والأسعار والدعم والسكن والصحة. إنه قرار يمنح الحكومة صورة من يستمع للشارع، من دون أن يفتح مواجهة مباشرة مع التوازنات المالية.
لكن المعارضة لم تترك هذا الهامش مفتوحا أمام الأغلبية. فقد سارع حزب العدالة والتنمية إلى تقديم القرار باعتباره ثمرة ضغط سياسي وترافعي، محاولا إفراغه من قيمته كإنجاز حكومي وتحويله إلى دليل على أن المعارضة قادرة على فرض بعض مطالبها قبيل الانتخابات.
هنا تظهر مفارقة لافتة في تموقع الحزب. فالساعة الإضافية ارتبطت في الذاكرة السياسية بمرسوم صدر سنة 2018 خلال رئاسة سعد الدين العثماني للحكومة، أي في عهد العدالة والتنمية نفسه.
واليوم، يحاول الحزب إعادة بناء موقعه من الملف لا كقوة حكومية سابقة ساهمت في تثبيت القرار، بل كمعارضة تتبنى مطلب التراجع عنه بعد اتساع كلفته الاجتماعية والرمزية.
هذا التحول يمنح التجاذب حول الساعة بعدا انتخابيا واضحا. فالأغلبية تريد القول إن القرار ثمرة تقييم داخلي ونقاش داخل مكوناتها، والمعارضة تريد القول إن الحكومة لم تتحرك إلا تحت الضغط.
وبين الروايتين، يغيب أحيانا أصل النقاش: تذمر اجتماعي طويل من أثر الساعة الإضافية على إيقاع الدراسة والعمل والنوم والتنقل، خاصة خلال فصل الشتاء.
قرار مؤجل منذ بداية الولاية
ويزيد تصريح سابق لمصطفى بايتاس، الناطق الرسمي باسم الحكومة، من ثقل الخلفية السياسية للقرار. ففي بداية الولاية الحكومية، في نونبر 2021، قال بايتاس إن الحكومة “تفكر” في موضوع الساعة الإضافية، وإن التراجع عنها ممكن حين تتوفر الإمكانية لذلك. كان ذلك التصريح كافيا لإبقاء الملف مفتوحا، لكنه لم يتحول إلى قرار إلا بعد قرابة خمس سنوات.
هذا الفارق الزمني يمنح المعارضة حجة إضافية للقول إن الحكومة تأخرت في الاستجابة، كما يمنح الأغلبية فرصة للقول إن القرار لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة مسار تقييم امتد داخل الحكومة والأغلبية.
وبين الحجة ونقيضها، يبدو الملف أقرب إلى مثال على بطء القرار العمومي حين يتعلق الأمر بمطلب اجتماعي واسع لا يجد ترجمة مؤسساتية سريعة.
كما أن طبيعة الساعة الإضافية نفسها ساعدت على إبقاء الجدل حيا. فالقرار لا يخص فئة مهنية محدودة، ولا يرتبط بمنطقة بعينها، بل يدخل إلى تفاصيل اليوم العادي لكل الأسر. التلميذ الذي يغادر البيت في الظلام، الموظف الذي يغير إيقاع نومه، العامل المرتبط بمواعيد النقل، والأسر التي تعيد ترتيب يومها مرتين في السنة خلال رمضان، كلهم جعلوا من التوقيت قضية معيشية لا ملفا إداريا باردا.
المجتمع المدني كطرف ثالث
وخارج تنافس الحكومة والمعارضة، حضر المجتمع المدني كفاعل ثالث في هذا المسار. فقد سبقت القرار حملة ترافعية واسعة، شملت عرائض رقمية ومحاولات لنقل المطلب إلى مسار قانوني ومؤسساتي، عبر جمع التوقيعات والدعوة إلى العودة إلى الساعة القانونية للمملكة.
هذا الحضور المدني لا يلغي الحسابات السياسية، لكنه يمنع اختزال القرار في مبارزة بين الأغلبية والمعارضة. فقبل أن يصبح الملف مادة للتراشق الحزبي، كان مطلبا متكررا في النقاش العمومي، تتغذى قوته من تجربة يومية مشتركة أكثر مما تتغذى من خطاب حزبي منظم.
ومن هذه الزاوية، يبدو إعلان أخنوش نهاية للساعة الإضافية وبداية لصراع جديد حول معنى القرار. فالحكومة ستقدمه كدليل على التفاعل مع نبض المجتمع، والمعارضة ستتعامل معه كتنازل انتزعته من أغلبية تبحث عن متنفس سياسي، أما المجتمع المدني فسيعتبره نتيجة ترافع طويل أعاد إلى النقاش العام سؤالا بسيطا في ظاهره، لكنه شديد الحساسية في حياة الناس: من يقرر زمنهم اليومي، وبأي كلفة اجتماعية؟

