تتجه الأنظار مجددا إلى مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، مع دخول المفاوضات بين إيران وسلطنة عمان بشأن إعادة تنظيم حركة الملاحة عبر المضيق مرحلة متقدمة، وسط مؤشرات على إمكانية التوصل إلى ترتيب جديد يتيح استئناف حركة الشحن.
وقالت طهران ومسقط إن المباحثات الجارية بشأن آلية جديدة لإدارة الملاحة عبر المضيق تسير بصورة إيجابية، فيما تركزت المناقشات خلال الأيام الأخيرة على مقترح لإنشاء مسار ملاحي جديد تتولى إيران وسلطنة عمان مسؤولية إدارته بشكل مشترك.
غير أن التفاؤل الحذر الذي رافق المفاوضات اصطدم بموقف إيراني أكثر تشددا، بعدما طرحت طهران ستة شروط قالت إنها ضرورية قبل إعادة فتح المضيق أمام حركة الملاحة الدولية.
وتتجاوز بعض هذه المطالب ما ورد في مذكرة التفاهم التي توصلت إليها الولايات المتحدة وإيران في يونيو الماضي، بينما يعيد بعضها الآخر طرح ملفات سبق أن كانت موضع تفاوض، لكن مع ربطها هذه المرة بصورة مباشرة بإعادة فتح مضيق هرمز.
ضمانات بعدم تهديد إيران
وتطالب طهران الولايات المتحدة بوقف أي تهديدات موجهة إليها، سواء بشكل مباشر أو عبر تصريحات سياسية، مع تقديم ضمانات بعدم تكرارها مستقبلا.
وجاء هذا المطلب ضمن ما وصفه محمد باقر ذو القدر، الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني والمستشار الحالي للمرشد الأعلى، بضرورة “تصحيح” السلوك الأمريكي.
وتعتبر إيران أن وقف التهديدات يمثل شرطا سياسيا وأمنيا أساسيا، خصوصا في ظل استمرار التوتر بين البلدين.
وقف العمليات العسكرية ضد إيران وحلفائها
وتشمل المطالب الإيرانية كذلك إنهاء ما تصفه طهران بالحرب والعدوان ضدها وضد حلفائها والجماعات المرتبطة بها في لبنان وفلسطين واليمن والعراق.
ويعني ذلك، عمليا، توسيع نطاق أي تفاهم محتمل ليشمل جبهات إقليمية متعددة، بعدما كانت مذكرة التفاهم السابقة قد أشارت إلى جميع الجبهات، بما فيها لبنان، دون تحديد جميع الأطراف والمناطق التي وردت في المطالب الإيرانية الجديدة.
وترى طهران أن أي اتفاق بشأن مضيق هرمز يجب أن يترافق مع ترتيبات أمنية إقليمية أوسع.
رفع الحصار وسحب القوات الأمريكية
وتطالب إيران أيضا برفع الحصار البحري المفروض عليها وسحب القوات الأمريكية، البحرية والجوية، من محيط أراضيها.
وكانت مذكرة التفاهم الموقعة في يونيو قد تضمنت التزاما أمريكيا بإنهاء الحصار خلال فترة زمنية محددة، غير أن هذا الالتزام لم يكن مرتبطا بصورة مباشرة بإعادة فتح مضيق هرمز.
وتسعى طهران، من خلال ربط الملفين، إلى تحويل إعادة فتح المضيق إلى جزء من تسوية أمنية أشمل.
تعويضات عن الأضرار الناجمة عن الحرب
وتطالب إيران بالحصول على تعويضات كاملة عن الأضرار التي تقول إنها لحقت بها جراء الحربين اللتين تصفهما بحربي “العدوان”.
ويتصل هذا المطلب بالحرب التي استمرت 12 يوما في عام 2025، إضافة إلى المواجهة العسكرية الأحدث بين الطرفين.
وكان ملف التعويضات متوقعا أن يكون جزءا من المفاوضات الرامية إلى التوصل إلى اتفاق نهائي، إلا أن طهران باتت تربطه بصورة مباشرة بإعادة فتح المضيق.
رفع العقوبات الأمريكية
كما تشترط إيران رفع العقوبات التي تصفها بأنها “ظالمة وغير قانونية” والمفروضة على الشعب الإيراني.
ولا يمثل هذا الملف جديدا بالكامل، إذ كان تخفيف العقوبات أحد الملفات الأساسية المطروحة ضمن أي تسوية محتملة بين واشنطن وطهران.
لكن الجديد يكمن في جعل رفع العقوبات شرطا معلنا لإعادة فتح واحد من أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة العالمية.
الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة
أما الشرط السادس، فيتعلق بالإفراج غير المشروط عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، والتي تصفها طهران بأنها أصول “مسروقة”.
وكان ملف الأموال والأصول الإيرانية المجمدة قد ظهر في جولات تفاوض سابقة، إلا أن طهران تربطه حاليا بملف الملاحة في مضيق هرمز.
موقف تفاوضي أكثر تشددا
وتعكس هذه الشروط، بحسب محللين، توسعا واضحا في نطاق المطالب الإيرانية المرتبطة بإعادة فتح المضيق.
ويرى سيباستيان آشر، محلل شؤون الشرق الأوسط، أن المطالب الجديدة ليست منفصلة تماما عن الإطار الذي سبق الاتفاق عليه، لكن الاختلاف يكمن في توقيت تنفيذها وآليات ربطها بفتح المضيق.
ويأتي هذا الموقف في وقت ترى فيه طهران نفسها في موقع تفاوضي أكثر قوة، خصوصا في ظل استمرار القيود على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ممر تمر عبره كميات ضخمة من تجارة الطاقة العالمية.
في المقابل، يرى تريتا بارسي، نائب الرئيس التنفيذي لمعهد كوينسي، أن المطالب التي تعلنها إيران قد تكون أعلى من سقف ما تسعى إليه فعليا على طاولة المفاوضات.
وقال بارسي إن ما يطرح علنا لا يعكس بالضرورة طبيعة المفاوضات السرية، مشيرا إلى احتمال أن تكون المطالب الإيرانية جزءا من استراتيجية تفاوضية تهدف إلى إطالة أمد المحادثات وتحسين شروط التسوية.
ويعتقد بعض المتشددين في إيران أن طهران قدمت تنازلات سريعة خلال مفاوضات يونيو، قبل أن ينهار التفاهم بعد أيام قليلة مع استئناف الهجمات المتبادلة.
ويرى هذا التيار أن إطالة المفاوضات كانت ستتيح مزيدا من الضغط الاقتصادي على الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي، خصوصا عبر تأثيرات أي اضطراب طويل في سوق النفط.
ورغم تشدد المواقف المعلنة، لا يستبعد بارسي إمكانية التوصل إلى اتفاق بشأن مضيق هرمز خلال أيام.
وبينما تواصل طهران وواشنطن اختبار مواقف بعضهما البعض عبر الوسطاء، تظل حركة السفن وأسواق الطاقة الأكثر تأثرا بمآل هذه المفاوضات.
فأي اتفاق يعيد الملاحة إلى طبيعتها عبر المضيق قد يخفف الضغوط عن شركات الشحن وأسواق النفط، في حين أن استمرار الإغلاق أو القيود على الحركة قد يبقي مخاطر اضطراب إمدادات الطاقة العالمية قائمة.

