أظهرت دراسة أكاديمية حديثة أن مؤسسات الإيواء السياحي في المغرب تكتسب قدرة أكبر على الصمود أمام الأزمات، كلما دمجت التحول الرقمي في صلب نشاطها وتبنت مقاربة استباقية لمواكبة تقلبات السوق، في حين لا يمنح الميل إلى المخاطرة بمفرده الأثر ذاته.
وخلصت الدراسة، المنشورة في عدد غشت من مجلة “توريزم أند هوسبيتاليتي” (Tourism and Hospitality)، إلى وجود تفاوت في تأثير المكونات الثلاثة للتوجه المقاولاتي، والمتمثلة في الابتكار والاستباقية وتحمل المخاطر، على مرونة المنشآت السياحية في مواجهة الصدمات والتكيف معها.
وبرزت “الاستباقية” كعامل حاسم في المرونة التنظيمية، إذ بينت المعطيات أن المؤسسات التي ترصد تحولات السوق وتتحرك قبل منافسيها، تكون في وضع أفضل لمواجهة الاضطرابات، وتحديدا حين يترجم هذا السلوك إلى تغييرات رقمية فعلية في آليات عملها.
ورغم أهمية الابتكار، أوضحت المخرجات أن أثره لا ينعكس بشكل كامل ومباشر على القدرة على الصمود، مشيرة إلى أن التحول الرقمي يمارس دورا وسيطا في تحويل المبادرات والأفكار الجديدة إلى قدرات عملية مستدامة تساعد المؤسسة على الاستمرار.
ووفق النتائج ذاتها، يظل الابتكار داخل المؤسسة السياحية قاصرا إذا عُزل عن تطوير منظومة التسيير، واستغلال البيانات، وتحديث آليات التعامل مع الزبائن، وهو ما يفرض جعل الرقمنة مكونا بنيويا، عوض حصرها في التسويق أو الحضور الإلكتروني.
في المقابل، سجل الباحثون نتائج متباينة بخصوص النزوع نحو “تحمل المخاطر”، حيث لم يظهر هذا العامل الأثر نفسه المرصود في الاستباقية والابتكار المدعوم بالرقمنة، ما يبرز عدم تماثل المكونات الثلاثة للتوجه المقاولاتي خلال فترات الأزمات.
واستندت الأبحاث إلى بيانات ميدانية مستقاة من 137 مالكا ومسيرا لمؤسسات إيواء سياحي بالمغرب. وخضعت المعطيات لتحليل إحصائي عبر نمذجة المعادلات الهيكلية بالمربعات الصغرى الجزئية، لقياس الروابط بين التوجه المقاولاتي، والتحول الرقمي، والمرونة التنظيمية.
وقاس الباحثون مؤشر المرونة من خلال تقييم جاهزية المؤسسات للاضطرابات، وسرعة استجابتها، وقدرتها على التكيف، داخل قطاع يواجه تقلبات دورية في مستويات الطلب، وتغيرات مستمرة في سلوكيات المسافرين، وصدمات مؤثرة على تدفق السياح.
وتقدم الدراسة صورة عن انتقال مسار الرقمنة في القطاع السياحي المغربي من مجرد أدوات تجارية وتواصلية، إلى دعامة ترتبط عضويا بتدبير الأزمات والاستجابة للتحولات الطارئة.
ويضع هذا الاستنتاج التحول الرقمي في صلب العلاقة بين المبادرة المقاولاتية والصمود، حيث تحتاج المؤسسة الأكثر ابتكارا واستباقا إلى أدوات وعمليات رقمية تتيح لها التدخل السريع واتخاذ قرارات مبنية على معطيات دقيقة.
وأنجز البحث الموسوم بـ”التحول الرقمي كوسيط بين أبعاد التوجه المقاولاتي والمرونة التنظيمية في مؤسسات الإيواء السياحي”، الباحثون عبد الرزاق لسان الدين، وفاطمة التهامي، وعبد الغني البير، مع التركيز على الحالة المغربية.

