مع اقتراب الذكرى الأولى لوفاة الشيخ جمال القادري بودشيش، يتجدد النقاش داخل محيط الزاوية القادرية البودشيشية بشأن ترتيبات الخلافة الروحية، وسط خلاف حول وثيقة تُقدَّم باعتبارها وصية تحدد هوية من يتولى قيادة الطريقة.
ويتركز الجدل على الظروف التي أُعدت فيها الوثيقة ومدى انسجامها مع الأعراف المعتمدة داخل الطرق الصوفية. كما يثير معارضوها تساؤلات قانونية بشأن صدورها خلال فترة تدهورت فيها الحالة الصحية للشيخ الراحل.
ويرى أصحاب هذا الموقف أن التصرفات الصادرة خلال ما يُعرف قانونيا بـ«مرض الموت» تخضع لتدقيق خاص، خصوصا إذا ثارت شكوك بشأن حرية إرادة صاحبها أو احتمال تعرضه لتأثيرات خارجية.
ويبقى تحديد القيمة القانونية للوثيقة من اختصاص القضاء، استنادا إلى ظروف إعدادها ووسائل إثبات صحتها.
وفي هذا السياق، قال الشيخ حميدة القادري بودشيش، وهو من الشيوخ الذين عاصروا مراحل بارزة في تاريخ الطريقة، إن التعامل مع الوصية استند إلى ظاهرها، بينما تثير في نظره إشكالات تتعلق بشرعيتها الروحية ومدى احترامها لأعراف الزاوية.
وأوضح أن ترتيبات الخلافة داخل الطريقة تقتضي، بحسب الأعراف التي يستند إليها، عقد مجلس يضم الشيخ ومقدمي الزاوية المقربين وأفرادا من العائلة، بهدف مناقشة الاختيار وتثبيته وتوثيقه بصورة واضحة.
وأضاف أن العلاقة الروحية بين الشيخ والمريد تقوم على القبول والاقتناع، ولا تُفرض بواسطة وثيقة إذا غاب عنها التوافق الداخلي. واعتبر أن هذه الشروط لم تتحقق في الحالة موضوع الخلاف، وفق تقديره.
ويستند المعترضون على الترتيبات الحالية إلى معطيات سابقة تعود إلى عهد الشيخ حمزة القادري بودشيش. فقد نشرت «CNN بالعربية» عام 2017، خلال تغطيتها لوفاته، أن الشيخ حمزة أوصى بأن يتولى معاذ القادري بودشيش القيادة الروحية بعد والده الشيخ جمال.
ويقول مؤيدو هذا الطرح إن هذه الإشارة تعكس تصورا سابقا لترتيب الخلافة وضمان استمرارية المسار الروحي داخل الزاوية. ويرون أن ظهور وثائق لاحقة في فترة اتسمت بتعقيدات صحية يستوجب التحقق من ظروف إعدادها ومضمونها ومدى توافقها مع ذلك الترتيب.
لكن المعطيات المتداولة تظل جزءا من روايات متعارضة داخل محيط الزاوية، ولا تحسم بمفردها صحة الوصية أو بطلانها. ويتطلب الفصل في الجانب القانوني فحص الوثائق والتوقيعات وشهادات الأطراف والظروف الصحية المحيطة بإعدادها.
ويتجاوز الخلاف البعد العائلي، بالنظر إلى المكانة الدينية والاجتماعية التي تحظى بها الزاوية القادرية البودشيشية داخل المغرب وخارجه، وما قد يترتب على الانقسام بشأن قيادتها من آثار على وحدتها وتنظيمها.
ويخضع الحقل الديني في المغرب لإمارة المؤمنين والمؤسسات الرسمية المختصة. ويضع أطراف في النزاع مسألة استقرار الزاوية وحماية مسارها الروحي ضمن هذا الإطار، مع الدعوة إلى معالجة الخلاف بما يصون وحدة الطريقة ويجنبها مزيدا من الانقسام.

