دخلت تداعيات أزمة سبتة فصلا جديدا داخل البرلمان الإسباني، بعدما سجل ثلاثة نواب من حزب اليسار الموحد مبادرة تطالب الحكومة بتقديم توضيحات مكتوبة حول علاقتها بالمغرب، ودور الولايات المتحدة وإسرائيل في التوازنات الأمنية والعسكرية المحيطة بإسبانيا.
وتحمل المبادرة توقيع الناطق البرلماني باسم اليسار الموحد إنريكي سانتياغو، إلى جانب النائبين فرانسيسكو سييرا وفيليكس ألونسو، وتتضمن سبعة أسئلة موجهة إلى الحكومة عقب أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة يومي 30 و31 يوليوز.
وتركز الوثيقة على ما يسميه النواب “مثلثا استراتيجيا” يضم المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل، معتبرين أن هذا التقارب، الذي تعزز بعد اتفاقات أبراهام، أصبح مؤثرا بصورة مباشرة في الموقع الجيوسياسي لإسبانيا.
ويذهب النواب إلى وصف ما وقع في سبتة بأنه شكل من أشكال “الحرب الهجينة”، يجمع، وفق قراءتهم، بين الضغط المرتبط بالهجرة والتحركات الدبلوماسية والوسائل الرقمية، مع إبقاء مستوى التصعيد دون العتبة التي تستدعي ردا عسكريا تقليديا.
وتقول المبادرة إن المغرب، بدعم من علاقاته العسكرية والأمنية مع واشنطن وتل أبيب، بات يمتلك قدرات أكبر في مجالات المراقبة والدفاع والتكنولوجيا، وهي قراءة سياسية قدمها النواب ولم تتبنها الحكومة الإسبانية حتى الآن.
وفي هذا السياق، طالب النواب وزارة الدفاع بتوضيح ما إذا كانت مدريد تعتزم مراجعة سياسة اقتناء الأسلحة بهدف تقليص اعتمادها على مزودين أميركيين وإسرائيليين. كما تساءلوا عن إمكان تطوير شركات إسبانية وأوروبية في مجال الأمن السيبراني بدل الاعتماد على منصات وتكنولوجيات أجنبية.
ووسعت الوثيقة نطاق الأسئلة إلى السياسة الخارجية الإسبانية، إذ طالبت الحكومة بالكشف عما إذا كانت تدرس تعزيز تعاونها مع أطر دولية أخرى، بينها منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ومجموعة “بريكس”، لتقليص ما يعتبره النواب اعتمادا مفرطا على الولايات المتحدة وإسرائيل في بعض القطاعات الاستراتيجية.
وتربط المبادرة بين ملف الهجرة والضغط الاقتصادي والرقمي، إذ تتهم الرباط باتباع ما تسميه “منطقة رمادية” في علاقاتها مع إسبانيا، عبر توظيف ملفات الحدود والتجارة والتكنولوجيا لتحقيق مكاسب سياسية. ولم تقدم السلطات الإسبانية حتى الآن خلاصات رسمية تثبت هذه الاتهامات.
كما أعاد النواب إثارة ملف برنامج “بيغاسوس”، مشيرين إلى الاشتباه السابق في استعماله ضد هواتف مسؤولين إسبان، ضمن أسئلتهم عن مستوى اعتماد مدريد على تكنولوجيات أمنية مصدرها خارج الاتحاد الأوروبي.
وتأتي المبادرة بعد أزمة شهدت عبور عشرات الآلاف نحو سبتة في نهاية يوليوز، وأعادت فتح النقاش الإسباني حول سياسة مدريد تجاه الرباط، وحدود الاعتماد على التعاون المغربي في مراقبة الهجرة والحدود.
وسيكون على الحكومة الإسبانية الرد كتابيا على الأسئلة البرلمانية، إذ ينص المسار البرلماني على أجل قدره 30 يوما، رغم أن الردود قد تتأخر عمليا. كما يرتقب أن يمثل سبعة وزراء أمام لجان مجلس النواب خلال الأسبوع المقبل لشرح تعامل الحكومة مع أزمة سبتة.
وتحول الوثيقة بذلك أزمة حدودية بدأت في سبتة إلى نقاش أوسع داخل مدريد بشأن موقع المغرب في الحسابات الأمنية الإسبانية، ومدى تأثير العلاقات المغربية الأميركية والإسرائيلية على خيارات إسبانيا في الدفاع والسياسة الخارجية والأمن السيبراني.

