افضت وساطة مغربية إلى الإفراج عن ضابط في الاستخبارات الخارجية الفرنسية كان معتقلا في مالي منذ عام، في حلقة جديدة من تدخلات دبلوماسية للرباط ساهمت خلال الأعوام الأخيرة في حل ملفات رهائن وعناصر أمنيين غربيين بمنطقة الساحل.
وأفرجت السلطات المالية في 13 غشت عن يان فيزيلييه، وهو ضابط في المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسية “دي جي إس إي”، بعدما أصدر رئيس المرحلة الانتقالية الجنرال عاصيمي غويتا عفوا عنه، قبل إبعاده من البلاد.
وأكدت وزارة الخارجية الفرنسية في اليوم التالي عودته إلى فرنسا، معربة عن “ارتياحها الكبير” لإطلاق سراحه.
وكان فيزيلييه، وهو مقدم في سلاح الجو الفرنسي، يعمل في السفارة الفرنسية في باماكو بصفة سكرتير ثان، ومعتمدا لدى السلطات المالية كضابط في الاستخبارات الخارجية.
واعتقل في 14 غشت 2025، قبل أن تتهمه السلطات المالية بالمشاركة في مخطط لزعزعة استقرار البلاد والتعاون مع متمردي أزواد، وهي اتهامات نفتها باريس.
وفي الخامس من يونيو الماضي، حكم عليه القضاء المالي بالسجن عشرين عاما بتهمة المساس بأمن الدولة.
لكن ملفه ظل موضع اتصالات دبلوماسية استمرت في الأشهر التالية، وسط فتور غير مسبوق في العلاقات بين مالي وفرنسا، القوة الاستعمارية السابقة التي أنهت وجودها العسكري في البلاد بعد وصول العسكريين إلى السلطة.
وقالت الحكومة المالية عند إعلان العفو إن القرار جاء بعد “المساعي الحميدة لبلد شقيق”، دون أن تحدده.
ونقلت صحيفة “لوموند” الفرنسية عن مصدر عسكري مالي أن البلد المقصود هو المغرب، الذي ساهم في الاتصالات التي قادت إلى الإفراج عن الضابط.
وسبق لمسؤول فرنسي أن اعتبر، بحسب الصحيفة نفسها، أن الرباط تملك موقعا يسمح لها بالتحدث إلى السلطات المالية في وقت أصبحت فيه قنوات باريس مع باماكو محدودة.
وتحافظ المملكة على علاقات سياسية واقتصادية ودينية مع مالي، كما أبقت قنواتها مفتوحة مع السلطات العسكرية التي وصلت إلى الحكم بعد انقلابين في 2020 و2021.
وتأتي الوساطة بعد أقل من عامين على تدخل مغربي آخر في ملف حساس لفائدة فرنسا.
ففي دجنبر 2024، أفرجت بوركينا فاسو عن أربعة عناصر في الاستخبارات الفرنسية كانوا معتقلين منذ دجنبر 2023، بعد وساطة مباشرة قادها المغرب.
وقالت الرباط آنذاك إن السلطات البوركينابية استجابت لطلب من الملك محمد السادس، بينما أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه شكر العاهل المغربي على تدخله الذي أتاح إطلاق سراح الفرنسيين الأربعة.
وكانت واغادوغو قد أوقفتهم للاشتباه في قيامهم بأنشطة تجسس، وسط تدهور حاد للعلاقات مع باريس عقب وصول النقيب إبراهيم تراوري إلى السلطة.
وبذلك تكون وساطتان مغربيتان قد ساهمتا منذ نهاية 2024 في الإفراج عن خمسة عناصر مرتبطين بالاستخبارات الفرنسية في دولتين من منطقة الساحل، أربع منهم في بوركينا فاسو والخامس في مالي.
ولا يقتصر سجل الرباط في هذه الملفات على قضايا بين الحكومات.
ففي غشت 2023، أفرج عن الروماني يوليان غيرغوت بعدما قضى ثمانية أعوام رهينة لدى جماعات مسلحة تنشط في الساحل.
وكان غيرغوت قد اختطف عام 2015 من موقع تعدين في شمال بوركينا فاسو، قبل أن يظهر لاحقا في تسجيلات بثتها جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة.
وعقب الإفراج عنه، وجهت وزارة الخارجية الرومانية شكرا للمغرب على المساعدة التي قدمها خلال جهود تحريره.
وسبق ذلك الإفراج في دجنبر 2022 عن عامل الإغاثة الألماني يورغ لانغه، الذي اختطف في النيجر عام 2018 وظل محتجزا أكثر من أربع سنوات.
وأفادت وسائل إعلام ألمانية حينها بأن وسطاء مغاربة شاركوا في المفاوضات التي سبقت الإفراج عنه في شمال مالي وتسليمه لاحقا إلى السلطات الألمانية.
وتزامن تزايد هذه الوساطات مع تحول واسع في علاقات دول الساحل بالقوى الغربية، خصوصا فرنسا.
فمنذ 2020 شهدت مالي وبوركينا فاسو والنيجر انقلابات عسكرية تبعتها قطيعة تدريجية مع باريس، وانسحاب للقوات الفرنسية، وتقليص للتعاون الأمني والدبلوماسي.
في المقابل، واصل المغرب علاقاته مع هذه العواصم، وعزز حضوره عبر التعاون الاقتصادي والديني والأمني، إلى جانب مبادرة أعلنها الملك محمد السادس في 2023 لتسهيل وصول دول الساحل إلى المحيط الأطلسي.
وتمنح هذه العلاقات الرباط موقعا يسمح لها بالتحرك في ملفات يصعب على دول غربية معالجتها مباشرة مع حكومات المنطقة.
وفي قضية فيزيلييه، سمح العفو لباماكو بالإبقاء على الحكم القضائي الصادر بحقه، بينما حصلت باريس على عودة ضابطها بعد عام كامل من الاعتقال، في تسوية أعادت مرة أخرى الوساطة المغربية إلى واجهة الملفات الأمنية الحساسة في الساحل.

