تجمع الحكومة المغربية الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري بين الإبقاء على مسؤولين في قطاعات استراتيجية، وإعادة توزيع حقائب اقتصادية واجتماعية، في تركيبة توحي بالسعي إلى تأمين استمرارية الدولة ومنح العمل الحكومي دفعة سياسية جديدة.
وتتولى المنصوري، أول امرأة تقود الحكومة في المغرب، رئاسة ائتلاف يضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية. وتملك هذه الأحزاب 207 مقاعد بمجلس النواب، مقابل 198 مقعدا لازمة للأغلبية، ما يجعل تماسكها عاملا حاسما في تمرير الإصلاحات.
وتشير قراءة توزيع الحقائب إلى ثلاثة رهانات مترابطة. الحفاظ على استقرار الملفات الاستراتيجية، وإعادة ترتيب أدوات التدبير الاقتصادي، وتحقيق نتائج اجتماعية تمنح التغيير الحكومي مضمونا يلمسه المواطن.
ويحمل استمرار عبد الوافي لفتيت في الداخلية وناصر بوريطة في الخارجية وأحمد التوفيق في الأوقاف وعبد اللطيف لوديي في إدارة الدفاع الوطني إشارة إلى أولوية الاستمرارية في هذه المجالات. ويحد ذلك من توقعات حدوث تحول شامل في توجهات الدولة، بينما يركز اختبار الفريق الجديد على السياسات الاقتصادية والخدمات العمومية.
اقتصاديا، يبرز انتقال فوزي لقجع إلى وزارة الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية. ويضع الجمع بين المالية وتقييم الأداء مسألة مردودية الإنفاق في صلب المسؤولية الحكومية، وفق ما يوحي به عنوان الحقيبة.
وسيتمثل الاختبار في تحويل الاعتمادات إلى خدمات وفرص عمل، مع ضبط التوازن بين الاستثمار والحماية الاجتماعية. فالقدرة على تعبئة التمويل لا تعني تلقائيا أن المستشفى سيعالج المرضى بسرعة أكبر أو أن المدرسة ستحد من الهدر.
ويوازي ذلك جمع الصناعة والتجارة والاستثمار والإدماج الاقتصادي لدى رياض مزور. ويوحي هذا التجميع بمحاولة تقريب قرارات الإنتاج والاستثمار والتسويق. لكن نجاحه سيتوقف على أثره في المقاولات المحلية والتشغيل، وعلى التنسيق مع وزارة التشغيل والحوار الاجتماعي التي يتولاها عبد الرحيم شهيد.
وفي التعليم، يجمع القطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، مع وزيرين منتدبين. ويتيح هذا التنظيم متابعة مسار المتعلم من الولوج إلى المدرسة حتى اكتساب مهارات العمل. وفي المقابل، يفرض تحديد المسؤوليات بدقة حتى لا تؤخر تعددية المتدخلين القرار والتنفيذ.
ويمنح إسناد الوزارة إلى نبيل بنعبد الله القطاع وزنا سياسيا داخل الائتلاف. لكنه يرفع أيضا مستوى المساءلة، لأن المدرسة العمومية ستشكل أحد أبرز معايير الحكم على قدرة الحكومة على تقليص الفوارق.
وتطرح حقيبة الصحة والحماية الاجتماعية اختبارا مماثلا. فتوسيع التغطية يحتاج إلى عرض علاجي يستجيب لها، من أطباء وتجهيزات وأدوية ومواعيد. وسيكون وصول هذه الخدمات إلى الأقاليم والأحياء الأقل استفادة معيارا أدق من عدد البرامج المعلنة.
وتكشف تسميات أخرى عن أولويات تريد الحكومة إبرازها، بينها السيادة الغذائية والذكاء الاصطناعي والمساواة والإدماج الاجتماعي. وهذه قراءة في هندسة الحكومة، وليست دليلا مسبقا على نتائجها.
فربط الفلاحة بالسيادة الغذائية يضع انتظام الإمدادات وكلفة الغذاء ضمن اختبار القطاع. وجمع الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة يفتح مجالا لتبسيط الإجراءات، شرط أن تقصر آجال الخدمة وتقل الوثائق المطلوبة من المواطن والمستثمر.
وسياسيا، تواجه المنصوري مهمة إدارة أربعة أحزاب تتقاسم المسؤولية وتحتفظ بحساباتها الانتخابية. فالأغلبية العددية تمنحها سندا برلمانيا، لكنها تحتاج إلى اتفاق عملي على أولويات الإنفاق والإصلاحات وتوزيع المسؤولية عن النتائج.
وتواجه الحكومة هذه الاختبارات بالتزامن مع التحضير لكأس العالم 2030، وسط مطالب بالتشغيل وتحسين التعليم والصحة. وسيزيد هذا التزامن أهمية ترتيب النفقات وربط المشاريع الكبرى بمنافع اقتصادية واجتماعية أوسع.
وسيقدم البرنامج الحكومي ومشروع الميزانية أول اختبار قابل للقياس لهذه التشكيلة. عندها سيتضح ما إذا كانت إعادة توزيع الحقائب ستترجم إلى أهداف محددة وتمويل وآجال تنفيذ، وكيف ستوازن الحكومة بين استمرارية المشاريع والاستجابة لانتظارات المواطنين.

