كشفت دراسة أكاديمية جديدة عن تفاصيل الحياة اليومية لشباب مغاربة يعرفون أنفسهم بأنهم ملحدون أو لاأدريون أو غير متدينين، مسجلة أن كثيرا منهم يلجأون إلى إخفاء قناعاتهم أو تكييف سلوكهم بحسب المحيط العائلي والاجتماعي، فيما يرى بعضهم في الهجرة مخرجا من الضغوط المرتبطة بالعيش خارج السائد الديني.
وجاءت النتائج في كتاب أكاديمي جديد بعنوان “الأقلية غير المتدينة في المغرب.. بين النشاط والحياة المزدوجة والهجرة”، للباحثة لينا ريختر، وصدر عن Palgrave Macmillan التابعة لـSpringer Nature. وتصفه دار النشر بأنه أول بحث معمق يركز على غير المتدينين المغاربة وكيف يدبرون حياتهم داخل مجتمع يشكل فيه الإسلام عنصرا مركزيا في المؤسسات والقوانين والأعراف.
واعتمد البحث على عمل إثنوغرافي طويل بدأ منذ 2016، بينما تركز العمل الميداني الأساسي بين 2019 و2023 في مدن مغربية، إلى جانب مقابلات وملاحظات تخص مغاربة في المهجر. واستخدمت الباحثة مقابلات معمقة شبه موجهة، والإثنوغرافيا الرقمية، والملاحظة بالمشاركة.
وقالت الباحثة إنها تحدثت إلى قرابة مئة شاب وشابة يضعون أنفسهم ضمن طيف “غير المتدينين”، مع حضور أكبر قليلا للرجال. وكان معظم المشاركين داخل المغرب طلبة أو مهنيين شبابا، وينتمي عدد كبير منهم إلى أوساط حضرية متعلمة.
وشملت العينة أشخاصا يقدمون أنفسهم بوصفهم ملحدين أو لاأدريين أو “مسلمين ثقافيين” أو غير مهتمين بالدين. وتتعامل الدراسة مع عدم التدين باعتباره طيفا واسعا، وليس فئة واحدة ذات موقف موحد من الإسلام أو المجتمع.
ومن أبرز ما توصل إليه البحث أن الإفصاح العلني عن عدم التدين ليس الخيار الأكثر شيوعا دائما. فبحسب الدراسة، يفضل كثير من المشاركين مشاركة آرائهم مع دائرة محدودة من الأصدقاء، أو تجنب الحديث عن الدين داخل الأسرة، أو الظهور بمظهر “مسلم غير ممارس” بدلا من الإعلان عن موقف غير ديني.
وتصف الباحثة هذه الممارسة أحيانا بـ”الحياة المزدوجة”، لكنها تشير إلى أن الأمر لا يعني في جميع الحالات ادعاء التدين الكامل. فكثير من المشاركين يغيرون لغتهم وسلوكهم بحسب الشخص أو المكان، في ما يشبه الانتقال بين هويات اجتماعية مختلفة لتجنب النزاعات أو حماية العلاقات الأسرية والدراسة والعمل.
وتظهر المقابلات أن الأسرة تمثل أحد أكثر المجالات حساسية. فالخوف من خسارة العلاقة مع الوالدين أو الأقارب يدفع بعض المشاركين إلى تجنب إعلان مواقفهم، فيما سجل البحث حالات محدودة تعرض فيها شباب لتهديد أو طرد من المنزل أو للعنف بعد ظهور مواقفهم غير الدينية.
وفي المقابل، لا تقدم الدراسة المشاركين باعتبارهم في صدام دائم مع المسلمين. وتشدد الباحثة على أن المواقف المعادية للإسلام كانت استثناء داخل مجموعتها البحثية، فيما احتفظ كثير من المشاركين بعلاقات مركبة مع الإسلام باعتباره جزءا من التربية والثقافة والعائلة والهوية المغربية.
كما رصدت الدراسة دور الإنترنت في تغيير تجربة غير المتدينين، إذ ساعدت شبكات التواصل والمجموعات الرقمية على ربط أشخاص كانوا يشعرون بالعزلة بأفراد يحملون مواقف مشابهة، ووفرت مساحات أكثر أمانا لمناقشة القناعات التي يصعب التعبير عنها علنا.
وخصص البحث جزءا للهجرة، إذ وجد أن بعض الملحدين واللاأدريين يطورون رغبة في مغادرة المغرب بسبب التعب من إخفاء مواقفهم أو الشعور بعدم الانتماء أو محدودية الحرية المرتبطة بالقناعات الدينية. لكن الدراسة تؤكد أن الهجرة ليست حلا واحدا متاحا للجميع، إذ تتدخل القدرة المالية والجنس والطبقة الاجتماعية وإمكانية الحصول على التأشيرات في تحديد من يستطيع المغادرة.
وتناقش الدراسة أيضا الإطار القانوني الذي يتحرك داخله المشاركون. وتشير إلى المادة 222 من القانون الجنائي المتعلقة بالإفطار العلني في رمضان، وإلى مقتضيات أخرى مرتبطة بالإساءة إلى الدين أو زعزعة عقيدة مسلم، معتبرة أن التداخل بين القواعد القانونية والاجتماعية يخلق مساحة من الغموض بالنسبة لمن لا يقدمون أنفسهم كمسلمين متدينين.
لكن الباحثة تشدد على أن الضغوط التي وصفها المشاركون كانت اجتماعية وعائلية في كثير من الحالات أكثر من كونها متابعة قانونية مباشرة، خصوصا فيما يتعلق بالسمعة والعلاقات الأسرية والخوف من الوصم.
وتقسم الدراسة ردود فعل المشاركين إلى مسارات متداخلة، بينها النشاط العلني، والتكيف مع المحيط، والإخفاء، وبناء دوائر الثقة، ثم الهجرة. وتؤكد أن الشخص نفسه قد ينتقل بين أكثر من مسار بحسب العمر والاستقلال المالي والمكان والعائلة والظروف الشخصية.
وتحذر الباحثة من تعميم النتائج على مجموع المغاربة غير المتدينين. فالعينة تميل إلى الشباب الحضريين المتعلمين، وكثير منهم يتحدث الإنجليزية أو الفرنسية، بينما كان حضور الفئات الشعبية والأقل تعليما محدودا بسبب طبيعة الوصول إلى المشاركين ولغة المقابلات.
ولهذا لا تقدم الدراسة رقما عن نسبة غير المتدينين في المغرب، ولا تسمح بالقول إن العينة تمثل المجتمع المغربي أو حتى جميع المغاربة الذين ابتعدوا عن الدين.
وتكمن أهميتها أساسا في تقديم واحدة من أوسع الدراسات النوعية المنشورة حتى الآن عن التجربة اليومية لغير المتدينين في المغرب، وكيف يوازنون بين قناعاتهم الشخصية والأسرة والعمل والمجتمع، وبين البقاء والتكيف أو التفكير في المغادرة.

