وطن 24
اعتبر الدكتور عبد الله بوصوف أن التطورات التي شهدها مجلس الأمن الدولي بشأن قضية الصحراء، عقب استخدام روسيا حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي، تضع النزاع أمام مرحلة جديدة تتجاوز الحسابات الدبلوماسية، وتعيد إلى الواجهة المسؤولية السياسية والإنسانية للجزائر عن استمرار معاناة الصحراويين في مخيمات تندوف.
وأكد بوصوف، في مقال تحليلي نشر السبت بعنوان “قضية الصحراء.. نهاية زمن الوصاية على الإنسان وثبات الموقف المغربي”، أن الموقف المغربي لا يستمد شرعيته من موازين التصويت داخل مجلس الأمن، بل من الاستمرارية التاريخية للدولة المغربية وارتباطها بأقاليمها الجنوبية، ومن التلاحم بين المؤسسة الملكية والشعب.
وجاءت قراءة بوصوف عقب فشل مجلس الأمن، الجمعة 30 أكتوبر، في اعتماد مشروع قرار أمريكي حظي بتأييد 11 عضوا، مقابل معارضة روسيا وامتناع 3 أعضاء، قبل أن يفشل مشروع روسي بديل في الحصول على الأصوات اللازمة لتمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء “المينورسو”.
مسؤولية الجزائر
وخصص بوصوف حيزا من مقاله لمساءلة الدور الجزائري في إطالة أمد النزاع، معتبرا أن استمرار وجود آلاف الصحراويين في مخيمات تندوف منذ نحو نصف قرن يطرح إشكالات تتعلق بحقوق الإنسان وحرية التنقل والاختيار، بعيدا عن المواقف السياسية للأطراف المعنية.
ورأى أن الجزائر، باعتبارها الدولة المضيفة للمخيمات والداعمة لجبهة البوليساريو، تتحمل مسؤولية مباشرة عن ضمان حقوق سكانها، ولا يصح حصر دورها في موقع الطرف الدبلوماسي المساند للنزاع.
ودعا في هذا السياق إلى مساءلة السلطات الجزائرية بشأن مدى تمتع سكان المخيمات بحرية التعبير واختيار مستقبلهم، وضرورة تمكين المنظمات الإنسانية من الوصول إليهم دون عراقيل أو توظيف سياسي للمساعدات.
واعتبر أن استمرار المخيمات يطرح تساؤلات بشأن توظيف معاناة السكان في حسابات سياسية واستراتيجية تتجاوز احتياجاتهم اليومية، مشددا على ضرورة إنهاء وضع تتوارث فيه أجيال متعاقبة ظروف اللجوء والحرمان.
استحضار التاريخ
واستند بوصوف إلى محطات من تاريخ العلاقات المغربية الجزائرية لتفسير الأبعاد الإنسانية للنزاع، مستحضرا تداعيات حرب الرمال سنة 1963، ثم طرد نحو 45 ألف أسرة مغربية من الجزائر سنة 1975، وما ترتب عن ذلك من تفكك عائلي وخسائر اجتماعية ومادية.
كما توقف عند التجربة السياسية الجزائرية خلال التسعينيات، عقب إلغاء المسار الانتخابي سنة 1992، وما أعقبه من عنف خلف عشرات الآلاف من الضحايا، لافتا إلى أن تعطيل المسارات السياسية والصراعات الممتدة ينعكسان بصورة مباشرة على حياة المواطنين.
وفي قراءته لهذه المحطات، أثار الباحث مسألة العلاقة بين استمرار النزاعات الخارجية وتعبئة الرأي العام الداخلي، متسائلا عن مدى تحول قضية الصحراء إلى عنصر دائم في الحسابات السياسية الجزائرية.
وحرص في المقابل على التمييز بين القرارات السياسية والعلاقات بين الشعبين المغربي والجزائري، مؤكدا أهمية الروابط التاريخية والاجتماعية والإنسانية التي تجمعهما.
مرحلة جديدة
وعلى مستوى الموقف المغربي، اعتبر بوصوف أن بلاغ الديوان الملكي الصادر عقب جلسة مجلس الأمن يحمل دلالات تتجاوز انتهاء ولاية المينورسو، إذ يعبر عن تحول في مقاربة الرباط للملف، وانتقالها من تدبير نزاع ممتد إلى مرحلة تستند إلى معطيات سياسية واستراتيجية مختلفة.
وكان الديوان الملكي قد اعتبر عدم تمديد مهمة البعثة الأممية تطورا مهما في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء داخل الأمم المتحدة، مؤكدا ضرورة إنهاء وجود أطقم البعثة ومعداتها ورموزها بالأقاليم الجنوبية خلال الأيام المقبلة.
وفي هذا الإطار، رأى بوصوف أن موقف المغرب يستند إلى امتداد دولته التاريخي وروابطها السياسية والتجارية والدينية والثقافية بإفريقيا، معتبرا أن هذه المقومات تمنح الموقف الوطني استمرارية لا تتأثر بتغير مواقف القوى الدولية.
وشدد على أن العلاقة بين الملك والشعب تشكل، في تقديره، أحد العناصر الأساسية التي حافظت على وحدة الدولة المغربية واستقرارها خلال مختلف التحولات التاريخية.
وانتهى بوصوف إلى التأكيد على ضرورة تحويل الاهتمام الدولي من الصراع حول القرارات الأممية إلى معالجة الأوضاع الإنسانية لسكان مخيمات تندوف، معتبرا أن إنهاء معاناتهم يقتضي تحمل الجزائر مسؤولياتها، في وقت يواصل فيه المغرب الدفاع عن وحدته الترابية وتنمية أقاليمه الجنوبية.

