لم يكن غريبا أن تتجاهل بعض المنابر الإعلامية العربية، وعلى رأسها قناة “الجزيرة”، الزخم الشعبي المغربي المتجدد في دعم القضية الفلسطينية، لكن الغرابة تكمن في محاولة تسفيه هذا الزخم، وتحويله إلى مجرد تفصيلة عابرة في نشرة إخبارية، وكأنه لا يحمل أي دلالة سياسية أو رمزية.
فحين خرج الآلاف في العاصمة الرباط السبت الماضي، في مسيرة حاشدة انطلقت من ساحة باب الأحد صوب مبنى البرلمان، رافعين شعارات قوية ضد العدوان على غزة وضد التطبيع، اختارت القناة القطرية أن تصف المشهد بـ”تجمّع لمئات الأشخاص”.
لم يكن الأمر يتعلق بتقدير عددي خاطئ فحسب، بل بسلوك إعلامي مشوب بإرادة تقزيم، يكشف مرة أخرى كيف يمكن لخطاب المهنية أن يتحوّل إلى مجرد غلاف هشّ يُدار داخله أجندات تتجاوز قواعد الحياد والموضوعية.
قناة “الجزيرة” التي ما فتئت تقدّم نفسها كصوت الشعوب ومرآة الشارع العربي، وجدت نفسها – مرارا – أمام مأزق التعامل مع الاستثناء المغربي في ملف التطبيع.
فبينما اختارت أن تحتفي بأدنى أشكال الحراك الرمزي في دول أخرى، وتُضفي على بعض التحركات المحدودة طابعا شعبيا واسعا، بدت عاجزة عن الاعتراف بالحيوية المستمرة للشارع المغربي، وبقُدرته على التعبير عن مواقفه رغم كل التعقيدات الجيوسياسية.
قناة “الجزيرة” التي ما فتئت تقدّم نفسها كصوت الشعوب ومرآة الشارع العربي، وجدت نفسها – مرارا – أمام مأزق التعامل مع الاستثناء المغربي في ملف التطبيع.
فحين يهتف عشرات الآلاف من المغاربة ضد الجرائم المرتكبة في غزة، وحين ترفع لافتات تؤكد مركزية القضية الفلسطينية في الوجدان الجمعي، يصبح الصمت أو التسفيه خيارا سياسيا لا مهنيا.
ولا تقف محاولات التشويش عند حدود التجاهل أو التقزيم. فوسائل إعلامية مصرية دخلت على خط الإساءة المباشرة، كما حدث حين نُشرت خريطة مرفقة بأعلام الدول العربية تُظهر العلم المغربي وقد استُبدلت نجمته الخضراء الخماسية برمز النجمة السداسية المعروف كرمز مرتبط بالدولة العبرية.
ولم يكن المشهد عفوياً ولا يمكن تبريره بخلل في التصميم، خاصة أن جميع الأعلام الأخرى ظهرت بشكل سليم. حين يُمسّ أحد رموز السيادة الوطنية – كالعلم – في مادة إعلامية تندرج في سياق سياسي حساس، فإن الأمر لا يُقرأ إلا باعتباره فعلَ تحريض رمزي، يُراد به تمرير رسائل خبيثة ومسمومة، تعيد تدوير الخطاب الساذج الذي يحاول أن يربط بين العلاقات الدبلوماسية للمغرب وتراجع موقفه من القضية الفلسطينية.
هنا بالضبط تتقاطع النوايا: من جهة، قناة تتحدث باسم الشعوب ولا تجرؤ على الاعتراف بالحضور الشعبي الحقيقي في المغرب. ومن جهة أخرى، مؤسسة إعلامية مصرية تعمد إلى تلغيم المحتوى البصري برسائل خفية، كأنها تقول إن المغرب تحوّل إلى “صهيوني” لأنه استفاد من تخفيف الرسوم الجمركية الأمريكية.
ويحمل هذا النوع من الخطاب، المتخفي خلف لغة الأرقام والخرائط، من الدونية ما يكفي ليكشف عن عقدة مزمنة تجاه النموذج المغربي في التوازن بين السيادة الوطنية والالتزام التاريخي بالقضية الفلسطينية.
المغرب، كما هو معروف، لم يربط يوماً موقفه من فلسطين بأي مناورات ظرفية. مواقفه لم تُولد تحت ضغط الشارع ولا نتيجة ارتباك داخلي، بل تنبع من إرث مؤسساتي يقوده الملك محمد السادس بصفته رئيساً للجنة القدس.
ومن تحت هذه المظلّة الرمزية، لا يحتاج المغرب إلى أن يرفع صوته في كل مرة كي يُثبت التزامه، لأن الشعب المغربي، بكل أطيافه، لا يحتاج إلى تذكير بموقع فلسطين في وجدانه.
فالفرق الجوهري بين المغرب وغيره، هو أن القضية الفلسطينية ليست موضوعا مناسباتيا، بل جزء من التربية السياسية والوطنية للمغاربة، منذ الطفولة وحتى الشيخوخة.
وفي المقابل، يصعب تجاهل أن بعض الأصوات الإعلامية في المشرق، خصوصا تلك التي لم تستسغ بعد فكرة أن الشعوب تخرج من تلقاء نفسها دون تحريض، تحاول اليوم أن تنزع المصداقية عن أي حراك جماهيري إذا لم يكن في إطار وصايتها الأيديولوجية.
التاريخ وحده كافٍ ليقول كل شيء. فبلدٌ احتضن كامب ديفيد، وأنتج تطبيعا مؤسساتيا صامتا وممتدا لعقود، وأغلق كل منافذ الشارع أمام أي تعبير حرّ عن فلسطين
وفي هذا السياق، لم تكن الإساءة إلى العلم المغربي بريئة، كما لم يكن الصمت عن المسيرة الكبرى في الرباط مجرد “سهو تحريري”. فنحن إذن أمام توجه جديد، تتقاسمه بعض الأبواق التي تستكثر على المغرب استقلال قراره وسيادته على مواقفه، وتحاول، عبثا، أن تحشره في زاوية ضيقة بين الانتماء لفلسطين والانفتاح على العالم.
لكن ما لا يفهمه هؤلاء، هو أن المغرب ليس دولة وظيفية، ولا يتلقى إملاءات لتحديد موقعه من القضايا الكبرى. فحين تقرر الرباط أن تنفتح على قوى اقتصادية أو سياسية معينة، فهو يفعل ذلك ضمن مقاربة متكاملة، لا تنسف ثوابته ولا تنكر عمقه الحضاري.
لذلك، فإن من يحاول أن يقرأ العلاقات المغربية الأمريكية بمنظار “المقايضة السياسية” يُسقط عليه منطق دولٍ اعتادت أن تتحرك مقابل ثمن، وتُطبع مقابل شحنة سلاح، وتُصوّت في المحافل الدولية مقابل فتات.
أما المقارنة بالتجربة المصرية، فتكاد تكون مضحكة لو لم تكن مؤلمة. لأن التاريخ وحده كافٍ ليقول كل شيء. فبلدٌ احتضن كامب ديفيد، وأنتج تطبيعا مؤسساتيا صامتا وممتدا لعقود، وأغلق كل منافذ الشارع أمام أي تعبير حرّ عن فلسطين، ليس في موقع يسمح له بتوزيع دروس على الآخرين. ومنابرُه الإعلامية، حين تسقط في فخ الاستفزاز المجاني، فإنها تكشف حجم الارتباك تجاه نموذج لا يُقاس بغيره، ولا يُطابق أحداً.
باختصار، المغرب لن يغيّر بوصلته، ولن يُقنع من لا يريد الاقتناع. أما “قناة الشعوب العربية” المزعومة، فربما حان الوقت لتراجع مرآتها التحريرية، وتعيد ترتيب أولوياتها، وتفكر جيدا في معنى أن تكون “منصة حرة”. لأن الحرية لا تُنتقى، والمهنية لا تُجزّأ، ومن يختزل نضال شعب في عبارة “مئات الأشخاص”، فقط لأنه مغربي، فقد اختار الاصطفاف مع ما هو ضد الشعوب، حتى وهو يدّعي العكس.


