لا شيء أطول عمرا في هذا البلد من السياسيين الذين يرفضون المغادرة. لا القوانين تُقنعهم، ولا الأعراف تُحرجهم، ولا عجز الأجساد يُنبههم إلى أن زمنهم قد ولّى. يطيلون الجلوس حتى يتخشب المعنى، ويتحوّل الكرسي من منصب زائل إلى وطن بديل، كأنهم خُلقوا ليكونوا فيه، ويُدفنوا وهم عليه.
رحل النائب البرلماني عن دائرة الفقيه بنصالح، إبراهيم فضلي عن عمر يناهز التسعين، بعد مسار طويل تنقّل فيه بين الأحزاب والمجالس، وانتهى به الأمر نائبا باسم حزب الأصالة والمعاصرة حتى آخر لحظة.
ومع رحيله، يعود عبد الهادي الشريكة إلى مقعده السابق، لا عبر الانتخابات، بل عبر الفراغ الذي تركه الغياب.
بين الرجلين تاريخ من المنازعات والطعون، لكن المسألة أكبر من خلاف بين شخصين؛ إنها مرآة لظاهرة متجذرة في المشهد السياسي: سياسيون لا يتصورون أنفسهم خارج السلطة او مقاعد التمثيلية، وكأنها قدر لا يُرد.
وقبل فضلي، ظل محمد بن عيسى، هو الآخر، ممسكا برئاسة جماعة أصيلة إلى أن أسلم الروح. لم يكن استثناء. بل كان امتدادا لنموذج يرى في المنصب امتيازا شخصيا لا وظيفة عمومية، ويقاوم المغادرة كما لو كانت إهانة، لا لحظة انتقال طبيعية في مسار أي مسؤول.
ما الذي يجعل رجلا في أرذل العمر يصرّ على خوض غمار السياسة؟ أهو العجز عن التخلّي، أم فراغ الداخل حين تبتعد الأضواء؟ أهو حبّ المنصب، أم خوف من النسيان؟ تلك أسئلة لا يطرحها أحد داخل الأحزاب، ولا في أوساط الناخبين، ما دامت الذاكرة الجمعية تخلط بين الوفاء للمسار، والولاء للأشخاص.
ليس في الأمر انتقاص من قيمة التجربة، ولا شماتة في من غيّبهم الموت. بل هو تأمّل في فكرة أرهقت السياسة في هذا البلد: إذا لم يتخلَّ السياسي عن السلطة في الوقت المناسب، فإن السلطة نفسها ستتخلى عنه، وتحوّله إلى صورة، ثم إلى ظل، ثم إلى عبء ثقيل لا يجد من يزيحه إلا الفقد.
السياسة، في جوهرها، فعل حيّ. لا يُمارس بالحنين، ولا يُقاس بطول البقاء، ولا يُنجز من فوق أسِرّة المرض. وما نراه اليوم ليس تمجيدا للتجربة، بل مقاومة مرضية للتغيير، تنخر الأحزاب من الداخل، وتُغلق المنافذ أمام أجيال جديدة لم يُمنح لها الحق حتى في الحلم بالقيادة.
في المجتمعات الحية، يكون الرحيل عن المسؤولية ذروة النضج. يغادر القادة حين تضعف طاقتهم أو تنضب أفكارهم، ويتركون المجال لغيرهم، لا لأنهم فشلوا، بل لأنهم نجحوا في إحداث الأثر، ولا يحتاجون إلى البقاء ليذكّروا به.
لكن عندنا، تتحوّل المناصب إلى إدمان، والكرسي إلى مرآة لا تعكس سوى الماضي. نمدّ في الأعمار السياسية اصطناعا، ونمنح البركة لوجوه لم تعد تنبض بشيء. نُطيل المشهد حتى يغدو بلا معنى، ثم ننتظر من الموت أن يضع النقطة الأخيرة.
لقد آن الأوان أن نعيد تعريف النجاح السياسي: ليس في أن تظل حاضرا حتى تُغيّبك المقابر، بل في أن تغادر قبل أن يملّك الناس. أن تترك المكان وأنت في قمتك، لا حين يصير جسدك حملا على من حولك.
الكرسي ليس وطنا. ومن ظنّ أن لا حياة له خارجه، فقد اختزل الوطن كله في مقعد، وترك الناس على الهامش.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.


